الحليم العليم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحليم العليم

مُساهمة  عادل التونى في السبت مايو 24, 2008 5:06 pm

الله جل جلاله الحليم


الحليم في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالحلم ، فعله حلم يحلم حلما ، وصفة الحلم تعني الأناة ومعالجة الأمور بصبر وعلم وحكمة ، وفي مقابلها العجلة المفسدة لأمور الدين والدنيا ، قال تعالى في وصف نبي الله إبراهيم عليه السلام : } وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ { [التوبة:114] ، ويدخل في معنى الحِلم بلوغ الصبي الحلم أو مبلغ الرجال الحكماء العقلاء كما قال تعالى : } وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ { [النور:59] ، وقال : } فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ { [الصافات:101] ، يعني لديه أناة وبصيرة وحكمة من صغره
والحليم هو الذي يرغب في العفو ولا يسارع بالعقوبة : } فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ { [هود:75] وقوم شعيب قالوا استهزاءا : } يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ { [هود:87] ، يعني اصبر علينا أو دعنا على ما نحن فيه
والله سبحانه حليم متصف بالحلم ، والحلم صفة كريمة تقوم على الحكمة والعلم والصبر ، والحليم سبحانه صبور يتمهل ولا يتعجل ، بل يتجاوز عن الزلات ويعفو عن السيئات ، فهو سبحانه يمهل عباده الطائعين ليزدادوا من الطاعة والثواب ، ويمهل العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب ، ولو أنه عجل لعباده الجزاء ما نجا أحد من العقاب ، ولكن الله سبحانه هو الحليم ذو الصَّفحِ والأناةِ ، استخلف الإنسان في أرضه واسترعاه واستبقاه في ملكه إلى يوم موعود وأجل محدود ، فأجل بحلمه عقاب الكافرين وعجل بفضله ثواب المؤمنين .
الواسع
والواسع في اللغة فعله وَسِعَ الشَّيءُ يَسَعُه سِعَة فهو وَاسِع ، وأَوْسَعَ الله عليك أَي أَغناكَ ، ورجل مُوسِعٌ يعني مَلِيءُ بالمال والثراء ، يقال : إناء واسع وبيت واسع ، ثم قد يستعمل في الغنى يقال فلان يعطي من سعة يعني من غنى ، وفلان واسع الرحل يعني غنيا ، وقال تعالى : } لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ { [الطلاق:7] ، وتَوَسَّعُوا في المجلس أَي تَفَسَّحُوا ، والسَّعة الغِنى والرفاهِية ووَسعَ عليه رَفَّهَه وأَغناه وقال تعالى : } وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ { [الأعراف:156] ، وسِعَتْ رحْمتُهُ كلَّ شيء ولكلِّ شيء وعلى كلِّ شيء ، والسعة تكون في العلم والإحسان وبسط النعم
والواسع المطلق هو الله تعالى له مطلق الجمال والكمال في سائر الأسماء والصفات والأفعال ، وعند البخاري من حديث عَائِشَةَ أنها قَالَتِ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم : } قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ { [المجادلة:1] )، فالله واسِع وَسِعَ غِنَاه كل فَقِير وهو الكثيرُ العطاءِ ، يده سحاء الليل والنهار ، وسعت رَحْمَتَه كُلَّ شَيءٍ وهو المحيط بكل شيء ، وقد اقترن اسم الله الواسع باسمه العليم في غير موضع من كتابه كما ورد في قوله تعالى : } مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ { [البقرة:261] ، ذكر ابن القيم في بيان العلة في اقتران الاسمين ألا يستبعد العبد مضاعفة الأجر ولا يضيق عنها عطاؤه ، فإن المضاعف واسع العطاء ، واسع الغنى واسع الفضل ، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق ، فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها ، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها ، فإن كرمه وفضله تعالى لا يناقض حكمته ، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته.

الله جل جلاله العليم


العليم في اللغة من أَبنية المبالغة ، عَلِيمٌ وزن فَعِيلٌ ، فعله عَلِم يعلَم عِلْماً ، ورجل عالمٌ وعَلِيمٌ ، والعِلْمُ نقيضُ الجهل ، ويجوز أَن يقال للإِنسان الذي عَلَّمه اللَّهُ عِلْماً من العُلوم عَلِيم ، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام لما قال للملك : } اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ { [يوسف:55] ، وهو عليه السلام عليم على اعتبار محدودية علمه ومناسبته لقدره فهو ذو علم وموصوف بالعلم ، قال : } وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ { [يوسف:68] ، لكن شتان بين علم مقيد محدود وعلم مطلق بلا حدود ، سبحانه وتعالى في كمال علمه ، جل شأنه في إطلاق وصفه ، فعلمه فوق كل ذي علم كما قال عز وجل : } نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ { [يوسف:76] ، فالله عز وجل عليمُ بما كان وما هو كائن وما سيكونُ ، لم يَزَل عالِماً ولا يَزالُ عالماً بما كان وما يكون ، ولا يخفى عليه خافيةٌ في الأَرض ولا في السماء ، سبحانه أَحاطَ عِلْمُه بجميع الأَشياء باطِنِها وظاهرها ، دقِيقها وجليلها على أَتمّ الإِمكان (11) ، فاسم الله العليم اشتمل على مراتب العلم الإلهي التي تضمنها الاسم وهي أنواع .
أولها : علمه بالشيء قبل كونه وهو سر الله في ملكه ، ضن به ربنا على خلقه ، لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وهذه المرتبة من العلم هي علم التقدير ومفتاح كل ما سيصير ، من هم أهل الجنة ومن هم أهل السعير ؟ فكل أمور الغيب قدرها في الأزل ومفتاحها عنده وحده ولم يزل ، كما قال تعالى : } إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ { [لقمان:34] ، وقال سبحانه : } قُل لا يَعْلمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ { [النمل:65].
وثانيها : علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة ، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها عبارة عن كلمات وتنفيذ ما في اللوح من أحكام تضمنتها الكلمات مرهون بمشيئة الله في تحديد الأوقات التي تناسب أنواع الابتلاء في خلقه ، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حساب وتقدير ، وكيف ومتى يتم الإبداع والتصوير ؟ كما قال تعالى : } أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ { [الحج:70] ، وقال أيضا : } مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأَهَا { [الحديد:23].
وثالثها : من مراتب العلم الذي دل عليه اسمه العليم علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه ، كما قال تعالى : } اللهُ يَعْلمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار ٍعَالمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَال { [الرعد:8] وقال تعالى : } يَعْلمُ مَا يَلجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ { [سبأ:2]
ورابعها : علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه ، وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه فالله عز وجل بعد أن ذكر مراتب العلم السابقة في قوله تعالى : } وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ { [الأنعام:59] ذكر بعدها المرتبة الأخيرة فقال : } وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِالليْل وَيَعْلمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليُقْضَي أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِليْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ { [الأنعام:60] ، وقال أيضا : } قَدْ عَلمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ { [قّ:4] ، وقال : } أَلمْ يَعْلمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ { [التوبة:78] ، فالله عز وجل عالم بما كان ، وما هو كائن ، وما سيكون ، وما لو كان كيف يكون على ما اقتضته حكمته البالغة.


التواب
التواب في اللغة من صيغ المبالغة ، فعله تاب يتوب توبا وتوبة ، والتوبة الرجوع عن الشيء إلى غيره وترك الذنب على أجمل الوجوه وهو أبلغ وجوه الاعتذار ، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه : إما أن يقول المعتذر لم أفعل ، أو يقول فعلت لأجل كذا أو يقول : فعلت وأسأت وقد أقلعت ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة .
والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه ، والندم على ما فرط في حق الناس وحق ربه والعزم على ترك المعاودة لذنبه ، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من صالح عمله ، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة ، قال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا { [التحريم:8] ، قال الثعالبي : ( حقيقة التوبة الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات ، ويلزمها الندم على ما فات والعزم على ملازمة الخيرات )(14) ، والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة ، فالعبد تائب إلى اللَّه ، واللَّه تائب على عبده (15)، والتوبة لازمة لجميع المذنبين والعاصين صغر الذنب أو كبر وليس لأحد عذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية لأن المعاصي كلها توعد اللَّه عليها أهلها .
والتواب سبحانه هو الذي يقبل التوبة عن عباده ، سمي توابا لكثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال ، فما من عبد عصاه وبلغ عصيانه مداه ثم رغب في التوبة إلى الله إلا فتح له التواب أبواب رحمته وفرح بتوبة عبده وعودته ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها ، فمنْ حديث أَبِي مُوسَى رضى الله عنه مرفوعا : ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) (17) ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قال : ( إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِر ).
وحتى لو اتبع الإنسان هواه أو استجاب لشيطانه وتمادى في جرمه وعصيانه فقتل مائة نفس وارتكب كل إثم وأراد التوبة والغفران تاب عليه التواب وبدل له عدد ما فات من السيئات بنفس أعدادها حسنات ، قال تعالى : } فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا { [الفرقان:71] ، وروى الترمذي وصححه الألباني من حديث أَنَس بْن مَالِكٍ رضى الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم يَقُولُ : ( قَالَ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ).
هذا فضلا عن فرح التواب بتوبة عبده وعودته إلى ربه ، فمن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه مرفوعا : ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا ) (20) ، فانظر إلى عظمة التوبة التي دل عليها اسمه التواب ، إن المذنب مخطئ في جنب الله وعظم الذنب يقاس بعظم من أخطأت في حقه وهو المولى جل في علاه ، فلو قبل توبة المذنب فإن مجرد القبول فقط كرم بالغ ، ومنة من الله على عبده ، فما بالنا وهو يقبل توبة المذنب بعفو جديد وفرح شديد ويجعل في مقابل الذنوب بالتوبة أجرا كبيرا .
ويذكر ابن القيم أن توبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها ، فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة ، فإنه تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما ، فتاب العبد فتاب الله عليه ثانيا قبولا وإثابة ، قال تعالى : } وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ { [التوبة:118] ، فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم وأنها هي التي جعلتهم تائبين فكانت سببا ومقتضيا لتوبتهم ، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم ، والحكم ينتف لانتفاء علته ، فالعبد تواب والله تواب ، فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق ، وتوبة الله نوعان : إذن وتوفيق ، وقبول وإمداد (21) ، قال ابن القيم:
وكذلك التواب من أوصافه : والتوب في أوصافه نوعان
إذن بتوبة عبده وقبولها : بعد المتاب بمنة المنان
أبو حامد : ( التواب هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته ويسوق إليهم من تنبيهاته ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته ، حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه فرجعوا إلى التوبة فرجع إليهم ).

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى