كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:24 am

Laughing





كتاب لمسات بيانية
في نصوص من التنزيل




(إصدار دار عمّار للنشر والتوزيع، عمّان الأردن)


كتابٌ
بديع للأستاذ الدكتور فاضل بن صالح السامرائي وفقه الله وبارك في علمه،
قدّم له
كما يلي:


يا رب
لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. وبعد، فهذه جملة من نصوص التنزيل
العزيز سُئلت عن سر التعبير في بعضها واخترت بعضها من سور متعددة لأبيّن طرفاً مما
فيها من أسرار تعبيرية ولمسات فنية لعل فيها نفعاً لدارسي القرآن ولتكون خطوة أخرى
بعد كتاب التعبير القرآني في بيان شيء من أسرار هذا السِّفر العظيم كتاب الله
الخالد.


قال لي
بعضهم بعد أن اطلع على كتاب التعبير القرآني لو أسميته الإعجاز القرآني فقلت له:
هذا عنوان أكبر مني وأنا لا أستطيع أن أنهض ببيان الإعجاز القرآني ولا بشيء منه
وإنما هو دراسة في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني العظيم الذي لا تنتهي عجائبه.


إن هذا
الكتاب وكذلك كتاب التعبير القرآني ليس في بيان الإعجاز القرآني وليس هو خطوة
واحدة في هذا الطريق وإنما هو خطوة في طريق قد يُصل السالك إلى طريق الإعجاز أو شيء
من الإعجاز.


إن
إعجاز القرآن أمر متعدد النواحي متشعب الإتجاهات ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز
القرآني شخص واحد ولا حتى جماعة في زمن ما مهما كانت يعة علمهم واطلاعهم وتعدد
اختصاصاتهم إنما هم يستطيعون بيان شيء من أسرار القرآن في نواح متعددة حتى زمانهم
هم، ويبقى القرآن مفتوحاً للنظر لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولما يجدّ من جديد.
وسيجد فيه أجيال المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال.


وأضرب
مثلاً لتعدد نواحي الإعجاز فإني سمعت وقرأت لأشخاص مختصين بالتشرع والقانون يبيّنون
إعجاز القرآن التشريعي، ويبينون اختيارات الألفاظ التشريعية في القرآن ودقتها في
الدلالة على دقة التشريع ورفعته ما لا يصح استبدال غيرها بها، وإن اختيار هذه
الألفاظ في بابها أدق وأعلى مما نبيّن نحن من اختيارات لغوية وفنية وجمالية.


وقرأت
وسمعت لأشخاص متخصصين بعلم التشريح والطب في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني من
الناحية الطبية التشريحية ودقتها يفوق ما نذكره في علم البلاغة. فألفاظه مختارة في
منتهى الدقة العلمية. من ذلك على سبيل المثال إن ما ذكره القرآن من مراحل تطور
الجنين في الرحم هي الذي انتهى إليها العلم مما لم يكن معروفاً قبل هذا العصر مما
دعا علماء أجانب إلى أن يعلنوا إسلامهم. وليس ذلك فقط، بل إن اختيار تعبير (العلقة)
و (المضغة) – مثلاً أعجب اختيار علمي.


فاختيار
التعبير بـ (العلقة) اختيار له دلالته، فإن المخلوق في هذه المرحلة أشبه شيء
بالعلقة وهي الطفيلية المعروفة. وكذلك التعبير بـ (المضغة) فالمضغة كما قرأنا في
كتب التفسير، هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ. ولكن لاختيار كلمة (مضغة) سبب
آخر، ذلك أن المضغة هي قطعة اللحم الممضوغة أي التي مضغتها الأسنان، وثد أثبت العلم
الحديث أن الجنين في هذه المرحلة ليس قطعة لحم عادية بل هو كقطعة اللحم التي مضغتها
الأسنان، فاختيار لفظ المضغة اختيار علمي دقيق. إنه لم يقل "قطعة لحم صغيرة" ولو
قال ذلك لكان صواباً ولكن قال: مضغة لما ذكرت وربما لغيره أيضاً والله أعلم.


وقرأت
فيما توصل إليه علم التاريخ وما دلت عليه الحفريات الحديثة من أخبار ذي القرنين أدق
الكلام وأدق الأخبار ما لم يكن يعرفه جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان. وأن
الذي اكتشفه الؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبق على ما جاء في
القرآن الكريم كلمة كلمة ولم يكن ذلك معلوماً قبل هذا القرن البتة.


وقرأت
في اختيار التعبير القرآني لبعض الكلمات التاريخية كـ (العزيز) في قصة يوسف،
وكاختيار تعبير الملك في القصة نفسها، واختيار كلمة (فرعون) في قصة موسى، فعرفت أن
هذه ترجمات دقيقة لما كان يُستعمل في تلك الأزمان السحيقة فـ (العزيز) أدق ترجمة
لمن يقوم بذلك المنصب في حينه، وأن المصريين القدامى كانوا يفرقون بين الملوك الذين
يحكمونهم فيها إذا كانوا مصريين أو غير مصريين، فالملك غير المصري الأصل كانوا
يسمونه الملك والمصري الأصل يسمونه فرعون وأن الذي كان يحكم مصر في زمن يوسف

u
غير مصري، وهو من الهكسوس فسماه الملك، وأن الذي كان يحكمها في زمن موسى

u
هو مصري فسماه فرعون، فسمى كل واحد بما كان يُسمى في الأزمنة السحيقة.


وعرفت
من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم كما في أسرار البحار والضغط الجوي وتوسع
الكون وبداية الخلق ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم.


بل إن
هناك أموراً لم تُعرف إلا بعد صعود الإنسان ف الفضاء واختراقه الغلاف الجوي للأرض،
وقد أشار إليه القرآن إشارات في غاية العجب ذلك أن الإنسان إذا اخترق الغلاف الجوي
للأرض، وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم ولم تُر الشمس، إلا كبقية النجوم التي
نراها في الليل. فالنهار الذي نعرفه نحن، لا يتعدى حدود الغلاف الجوي فإن تجاوزناه
كنا في ظلام لا يعقبه نهار. وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله
(وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ
فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) يس)
فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما
الليل فهو الأصل وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة، والنهار جلدها، فإن سلخ الجلد ظهر
الليل فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل.


وقال:
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ
فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ
نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر)
أي لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء
لانتهوا إلى ظلام وقالوا (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا)
وغير ذلك وغيره.


وعلى
هذا فالإعجاز القرآني متعدد النواحي متشعب الإتجاهات ولا يزال الناس يكتشفون من
مظاهر إعجازه الشيء الكثير فلا غرو أن أقول إذن أن الإعجاز أكبر مما ينهض له واحد
أو جماعة في زمن ما.


إن
التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً
علمياً أو إعجازاً تاريخياً أو إعجازاً نفسياً أو إعجازاً تربوياً أو إعجازاً
تشريعياً أو غير ذلك.


فيأتي
اللغوي ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى ولا تقديم ما
أُخّر ولا تأخير ما قُدّم أو توكيد ما نُزع منه التوكيد أو عمد توكيد ما أُكّد.
ويأتيك العالم في التشريع ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون ويأتيك
المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم ليقول مثل ذلك من
وجهة نظر علمه.


إننا
ندل على شيء من مواطن الفن والجمال في هذا التعبير الفني الرفيع ونضع أيدينا على
شيء من سُمو هذا التعبير ونبيّن إن هذا التعبير لا يقدر على مجاراته بشر بل ولا
البشر كلهم أجمعون، ومع ذلك لا نقول إن هذه هي مواط الإعجاز ولا بعض مواطن الإعجاز
وإنما هي ملامح ودلائل تأخذ باليد وإضاءات توضع في الطريق، تدل السالك على أن هذا
القرآن كلام فني مقصود وُضع وضعاً دقيقاً ونُسج نسجاً محكماً فريدا، لا يشابهه
كلام، ولا يرقى إليه حديث (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ
مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور)
.


أما شأن
الإعجاز فهيهات أنه أعظم من كل ما نقول وأبلغ من كل ما نصف وأعجب من كل ما نقف عليه
من دواعي العجب. إن هذا القادم من الملأ الأعلى والذي نزل به سيد من كبار سادات
الملأ الأعلى فيه من الأسرار ودواعي الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي.


قد ترى
أن في قولي مبالغة وادعاء أو انطلاقاً من عاطفة دين أو التهاب وجدان وليس بوسعي أن
أمنعك من هذا التصور، ولا أن أرد عنك ما ترى.


ولكن لو
فتح القلب المقفل وأُوقد السراج المعطل وأشرقت بالنور حنايا لم تكن تعرف النور ولا
مست فؤادك نفحة من روح الملك القدوس وهبّت على أودية نفسك نسمة من عالم الروح وسمعت
صوتاً يملأ نفسك قادماً من بعيد من الملأ الأعلى يقول
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
فَاسِقُونَ (16) الحديد)
و (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا
الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر).

لوقفّ شعر بدنك
واقشعرّ جلدك ومار فؤادك وتحركت السواكن واضطرب بين جنبيك ما اضطرب والتهب فيه ما
التهب وانهمرت الدموع تسيل في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ وأقفرها الجفاف تغسل
الأوضار وتروي حبات القلب وتندّي اليبس وتُحيي الموات فعند ذاك تذوق ما لم تعهد له
مذاقاً ولا طعماً وتحسّ ما لم يكن لك فيه سابق معرفة ولا إحساس وتصيح بكل جوارحك
قائلاً والله لقد آن والله لقد آن! وعند ذاك تعرف ما أقول وتفهم ما أشير إليه ولكن
أنّى لي أو أُصلك إلى هذا؟!


زكيف
أوصلك وأنا المنقطع ، وأعطيك وأنا المحروم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.


إنما هي
دلائل أضعها في الطريق وإشارات وصوى وشيء من خافت النور في مصباح ناضب الزيت غير
نافع الفتيل عسى الله أن ينفع بها سالكاً ويجنّب العثار سارياً في الليل البهيم،
فتنالنا منه دعوة صالحة تنعنا في عرصات القيامة.


وفي
الختام لا أجد خيراً من أوصيك ما أوصى به رسول الله

r
صاحبه أبا ذر وليكن ذلك منك على ذكر وإياك أن تنساه:



يا أبا ذر أحكِم
السفينة فإنّ البحر عميق



وخفّفِ الحمل فإنّ
العقبة كؤود



وأكثِر الزّاد
فإن السفر طويل



وأخلِص العمل
فإن الناقد بصير.




ويحتوي الكتاب على المواضيع التالية:





  • سورة الفاتحة



  • من سورة
    المائدة




  • قصة ابراهيم
    في سورتي الحجر والذاريات






  • قصة موسى في
    سورتي النمل والقصص




  • من سورتي
    المؤمنون والزمر





  • من
    سورتي المؤمنون والمعارج





  • من سورتي
    الطور والقلم





  • من سورة
    القمر






  • من سورة
    الجمعة





  • من سورة
    المنافقون




  • من سورتي
    المعارج وعبس





  • من سورتي
    المعارج والقيامة





  • سورة القيامة




  • سورة البلد




اللمسة البيانية الأولى :




من سورتي الطور والقلم. (ص 168-169)


قال
تعالى في سورة الطور:( فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29))
.


وقال في
سورة القلم :( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
بِمَجْنُونٍ (2)).


فزاد
قوله :(بكاهن) على ما في سورة القلم ، فما سبب ذاك ؟


والجواب
: أن هناك أكثر من سبب دعا إلى هذه الزيادة.


1- منها
أنه فصل في سورة الطور في ذكر أقوال الكفرة في الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد
ذكروا أنه كاهن ، وذكروا أنه مجنون ، وذكروا أنه شاعر . ( أم يقولون شاعر نتربص به
ريب المنون). وقالوا إنه كاذب :(أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون).


في حين
لم يذكر غير قولهم إنه مجنون في سورة القلم :(ويقولون إنه لمجنون) فناسب ذكر هذه
الزيادة في سورة الطور.


2-
ومنها أنه ذكر في سورة الطور قوله :(أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان
مبين) والاستماع مما تدعيه الكهنة لتابعيهم من الجنِّ ، فناسب ذلك ذكر الكهنة فيها.


3-
ومنها أنه ذكر السحر في سورة الطور فقال :(أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ). فناسب
ذكر السحر ذكرَ الكهنة.


4- ومما
حسن ذلك أيضاً أنه توسع في القَسَم في أول سورة الطور بخلاف سورة القلم ، فقد قال
:(والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع* والبحر
المسجور).


في حين
لم يقسم في سورة القلم إلا بالقلم وما يسطرون. فناسب التوسع في الطور هذه الزيادة.


5- ذكر
في سورة القلم في آخر السورة قول الكفرة ، إنه لمجنون ولم يزد على هذا القول ، فقال
:(وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) فرد
عليهم في أول السورة بنفي الجنون عنه فقال:(ما أنت بنعمة ربك بمجنون). فناسب آخر
السورة أولها.


ثم انظر
من ناحية أخرى كيف ناسب التأكيد بالباء الزائدة في النفي (بمجنون) التوكيد باللام
في الإثبات (لمجنون) لأن الباء لتوكيد النفي واللام لتوكيد الإثبات. والله أعلم.




اللمسة البيانية الثانية




من سورتي المعارج والقارعة (ص 198-200)


قال
تعالى في سورة المعارج :( وَتَكُونُ الْجِبَالُ
كَالْعِهْنِ (9))
.


وقال في
سورة القارعة :( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
الْمَنْفُوشِ (5)).


فزاد
كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج ، فما سبب ذاك؟

.

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:26 am

والجواب
- والله أعلم :

1- أنه
لما ذكر القارعة في أول السورة ، والقارعة من (القَرْعِ) ، وهو الضرب بالعصا ، ناسب
ذلك ذكر النفش ؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة. كما ناسب ذلك من ناحية
أخرى وهي أن الجبال تهشم بالمقراع - وهو من القَرْع – وهو فأس عظيم تحطم به الحجارة
، فناسب ذلك ذكر النفش أيضاً.

فلفظ
القارعة أنسب شيء لهذا التعبير. كما ناسب ذكر القراعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله
:(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) أيضاً ؛ لأنك إذاقرعت طار الفراش وانتشر. ولم
يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده.

2- إن
ما تقدم من ذكر اليوم الآخر في سورة القارعة ، أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج .
فقد قال في سورة المعارج :(تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف
سنة * فاصبر صبراً جميلاً * إنهم يرونه بعيداً* ونراه قريباً). وليس متفقاً على
تفسير أن المراد بهذا اليوم ، هو اليوم الآخر. وإذا كان المقصود به اليوم الآخر
فإنه لم يذكر إلا طول ذلك اليوم ، وأنه تعرج الملائكة والروح فيه. في حين قال في
سورة القارعة :(القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة) فكرر ذكرها وعَظَّمها
وهوَّلها. فناسب هذا التعظيم والتهويل أن يذكر أن الجبال تكون فيه كالعهن المنفوش.
وكونها كالعهن المنفوش أعظم وأهول من أن تكون كالعهن من غير نفش كما هو ظاهر.

3- ذكر
في سورة المعارج أن العذاب (واقع) وأنه ليس له دافع (سأل سائل بعذاب واقع *
للكافرين ليس له دافع) ووقوع الثقل على الصوف ، من غير دفع له لا ينفشه بخلاف ما في
القارعة ، فإنه ذكر القرع وكرره ، والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر ، فناسب ذلك ذكر
النفش فيها أيضاً.

4-
التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسَّن ذكر الزيادة والتفصيل فيها ، بخلاف الإجمال
في سورة المعارج ، فإنه لم يزد على أن يقول :(في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).

5- إن
الفواصل في السورتين تقتضي أن يكون كل تعبير في مكانه ، ففي سورة القارعة ، قال
تعالى :(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش). فناسبت
كلمة (المنفوش) كلمةَ (المبثوث).

وفي
سورة المعارج ، قال :(يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن*). فناسب
(العهن) (المهل).

6- ناسب
ذكر العهن المنفوش أيضاً قوله في آخر السورة :(نار حامية) لأن النار الحامية هي
التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، وذلك من شدة الحرارة ، في حين ذكر صفة
النار في المعارج بقوله :(كلا إنها لظى * نزاعة للشوى) . والشوى هو جلد الإنسان.
والحرارة التي تستدعي نزع جلد الإنسان أقل من التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن
المنفوش ، فناسب زيادة (المنفوش) في القارعة من كل ناحية. والله أعلم.

7- كما
أن ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية أخرى ، ذلك أن (القَرَّاعة) – وهي من
لفظ القارعة – هي القداحة التي تقدح بها النار.

فناسب
ذكر القارعة ، ذكر الصوف المنفوش ، وذكر النار الحامية ، فناسب آخر السورة أولها.

وبهذا
نرى أن ذكر القارعة حسَّنَ ذكر (المبثوث) مع الفراش ، وذكر (المنفوش) مع الصوف ،
وذكر النار الحامية في آخر السورة. والله أعلم.



اللمسة البيانية الثالثة

(منقول من موقع
لمسات)




قصة موسى عليه السلام
في سورتي النمل والقصص (ص 90 إلى ص 113)




أهداف ذكر سورة موسى عليه السلام


قال لي أحدهم
مرة لو كتبت في قصة موسى في سورتي النمل والقصص، فإن بينهما تشابها كبيرا ولا يتبين
سر الاختلاف في التعبير بينهما من نحو قوله تعالى: "فلما جاءها نودي" و "فلما أتاها
نودي" ، وقوله: "وأدخل يدك في جيبك" و "اسلك يدك في جيبك" وما إلى ذلك.


فأنهدني قوله
إلى أن أكتب في ذلك، وطلبت من الله أن يعينني على ما عزمتُ عليه، وأن يبصرني بمرامي
التعبير في كتابه الحكيم، وأن يفتح عليّ من كنوز علمه الواسع الذي لا يحد فتحا
مباركا، إنه سميع مجيب.




من سورة النمل



بسم الله الرحمن الرحيم



وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ {6} إِذْ قَالَ
مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم
بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ {7} فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن
بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ {8} يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {9}
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً
وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
{10} إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ
رَّحِيمٌ {11} وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً
فَاسِقِينَ {12} فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ
مُّبِينٌ {13}‏ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً
وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {14}




من سورة القصص



بسم الله الرحمن الرحيم



فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ
نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ
مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ
الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا
جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ
إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ
بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ
يَقْتُلُونِ (33)


من هذين النصين
تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير أدوّن أظهرها:







عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:31 am

من هذين النصين
تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير أدوّن أظهرها:





القصص
إني آنست نارا آنس من جانب الطور نارا
ـــــــ امكثوا
سآتيكم منها بخبر لعلي آتيكم منها بخبر
أو آتيكم بشهاب قبس أو جذوة من النار
فلما جاءها فلما أتاها
نودي أن بورك نودي من شاطئ الواد الأيمن
وسبحان الله رب العالمين ـ
يا موسى أن يا موسى
إنه أنا الله العزيز الحكيم إلي أنا الله رب العالمين
وألق عصاك وأن ألق عصاك
يا موسى لا تخف يا موسى أقبل ولا تخف
إني لا يخاف لدي المرسلون إنك من الآمنين
إلا من ظلم ـــــ
وأدخل يدك في جيبك اسلك يدك
في تسعِ آيات فذانك برهانان
ـ واضمم إليك جناحك ممن الرّهْب
إلى فرعون وقومه إلى فرعون وملئه





إن الذي أوردته
من سورة النمل، هو كل ما ورد عن قصة موسى في السورة. وأما ما ذكرته من سورة القصص
فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصة مفصلة ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى
الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليم والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله
المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من
الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرق فرعون في
اليم، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.


فالقصة في
سورة القصص إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل موجزة مجملة. وهذا الأمر ظاهر في صياغة
القصتين، واختيار التعبير لكل منهما.


هذا أمر،
والأمر الثاني أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريم لموسى أوضح مما هو في القصص،
ذلك أنه في سورة القصص، كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف الذي يسيطر على موسى عليه
السلام، بل إن جو الخوف كان مقترنا بولادة موسى عليه السلام، فقد خافت أمه فرعونَ
عليه، فقد قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي" القصص: 7،
ويستبد بها الخوف أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى
فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا"
القصص:10


ثم ينتقل الخوف
إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري: "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ
خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 18". فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل:
"فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 21" ، وطلب من ربه أن ينجيه من بطش
الظالمين: "قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21" . فهرب إلى مدين
وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقص عليه القصص فطمأنه قائلا: " لا تَخَفْ نَجَوْتَ
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25"


وهذا الطابع ـ
أعني طابع الخوف ـ يبقى ملازما للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب
إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل: "قَالَ رَبِّ إِنِّي
قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 33"، وطلب أخاه ظهيرا له
يعينه ويصدقه لأنه يخاف أن يكذبوه: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي
لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُكَذِّبُونِ 34"


في حين ليس
الأمر كذلك في قصة النمل، فإنها ليس فيها ذكر للخوف إلا في مقام إلقاء العصا.


فاقتضى أن يكون
التعبير مناسبا للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:


v

قال
تعالى في سورة النمل: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً " وقال
في سورة القصص: "آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً"


فزاد : " مِنْ
جَانِبِ الطُّورِ" وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.


v

قال
في سورة النمل: "إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي
آنَسْتُ نَاراً" وقال في سورة القصص: " قَالَ
لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً" بزيادة "امْكُثُوا". وهذه الزيادة نظيرة
ما ذكرناه آنفا، أعني مناسبة لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في
النمل المبنية على الإيجاز.


v

قال
في النمل: " سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ". وقال
في القصص: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ".
فبنى الكلام في النمل على القطع "سَآتيكُم" وفي القصص علىالترجي "لعَلّي
آتيكُمْ". وذلك أن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع
القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق
والقطع بالأمر.


هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في
القصص.


ومن ناحية
ثالثة، ؟إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات
سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى: "عَسى
أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وهو ترَجٍّ. وقال: ""عَسَى رَبّي أَن
يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ" وهو ترجٍّ أيضا. وقال: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا
بِخَبَرٍ" وقال "لَعَلّكُم تَصْطَلونَ"، وقال: "لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ
موسَى"، وقال: "لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ " ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال:
"فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ"، وقال: "ولَعَلّكُم تَشكُرونَ 73"وهذا كله
ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يرد الترجي في سورة النمل، إلا في موطنين وهما
قوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ"، وقوله: "لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ"


وقد تردد
القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد: "أَحَطْتُ بِمَا
لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ"النمل:22 ، وقوله على
لسان العفريت لسيدنا سليمان: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ
مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" النمل: 39 وقوله على لسان الذي
عنده علم من الكتاب: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ "
النمل:40


فانظر كيف ناسب
الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.


ثم انظر بعد
ذلك قوله تعالى في القصة: "سَآتيكُمْ مِنْها بِخَبَر" ومناسبته لقوله تعالى في آخر
السورة: "الْحَمْدُ لِلّه سَيُريكُمْ آيَلتِهِ فَتَعْرِفوَها 93" وانظر مناسبة
"سَآتيكُمْ" لـ "سَيُرِيَكُمْ".


وبعد كل ذلك،
انظر كيف تم وضع كل تعبير في موطنه اللائق به.


v

كرّر
فعل الإتيان في النمل،
فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"،ولم
يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها
بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ"


فأكد الإتيان
في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل
الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.


هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة. (انظر الآيات: 7
مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87)


وتكرر في القصص
ست مرات (انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل
وجه.

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:34 am

وقال في سورة
النمل: " أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ
تَصْطَلُونَ" وقال في القصص: " نَاراً لَعَلِّي
آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"


فذكر في سورة
النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس، والشهاب: هو شعلة من النار ساطعة. (انظر لسان العرب
(شهب) 1 / 491 ، القاموس المحيط (شهب) 1 / 91)


ومعنى
(القَبَس) شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس يقال: قبس يقبس منه نارا، أي: أخذ
منه نارا، وقبس العلمَ استفاده (انظر القاموس المحيط (قبس) 2 / 238 )


وأما (الجذوة)
فهي الجمرة أو القبسة من النار (انظر القاموس المحيط (جذا) 4 / 311) وقيل: هي ما
يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه ما قيل: هي عود فيه نار بلا لهب. (انظر روح
المعاني 20 / 72)


والمجيء
بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيه من اللهب
الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضا. فهو أحسن من الجذوة في الاتضاءة والدفء.


هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى ذكر أنه سيأتي بالشهاب مقبوسا من النار،، وليس مختَلَسا أو محمولا
منها، لأن الشهاب يكون مقبوسا وغير مقبوس (انظر البحر المحيط 7 / 55) ، وهذا أدل
على القوة وثبات الجنان، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار، ويقبس منها شعلة نار
ساطعة.


أما في القصص
فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار، ولم يقل إنه سيقبسها منها.


والجذوة قد
تكون قبسا وغير قبس، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل وأتم لما فيها من زيادة نفع
الشهاب على الجذوة، ولما فيها من الدلالة على الثبات وقوة الجنان.


وقد وضع كل
تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة ، وفي غير موطن الخوف ذكر
الشهاب والقبس.


v

قال
في سورة النمل: "فَلَمّا جاءَهَا نُودِيَ" وقال
في سورة القصص: "فَلَمّا أَتاها نُودِيَ"


فما الفرق
بينهما؟


قال الراغب
الأصفهاني مفرقا بين الإتيان والمجيء: الإتيان مجيءٌ بسهولة، ومنه قيل للسيلِ
المارّ على وجهه أتي" (المفردات في غريب القرآن 6). وقال: "المجيء كالإتيان، لكن
المجيء أعم، لأن الإتيان مجيء بسهولة" (المفردات 102)


ولم يذكر أهل
المعجمات ما ذكره الراغب، وإنما هم يفسرون واحا بالآخر، فيفسرون جاء بأتى، وأتى
بجاء، غير أنهم يذكرون في بعض تصريفات (أتى) ما يدل على السهولة، فيقولون مثلا في
تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" وذلك لسهولته ويسره.
ويقولون : "كل سيل سهلته الماء أتيّ" و "أتّوا جداولها: سهلوا طرق المياه إليها"
يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه .. ويقال: أتّيت للسيل،
فأنا أؤتّيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه .. وأتّيت الماء تأتيةً
وتأتياً، أي: سهلت سبيله ليخرج إلى موضع"( لسان العرب (أتى) 18 / 14)


والذي استبان
لي أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما
تستعمل له (أتى) فهو يقول مثلا: "فَإذا جَاءَ أَمْرُنا وَفارَ التّنّورُ 27 "
المؤمنون، وذلك لأن هذا المجيء فيه مشقة وشدة. وقال: "وجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
بِالحَقّ 19" ق. وقال: "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرَا 71" الكهف. وقال: "لقَدْ
جِئْتَ شِيْئا نُكْرا 74" الكهف.


وقال: "قَالُوا
يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً 27" مريم. وقال: "وَقَالُوا اتَّخَذَ
الرَّحْمَنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً" مريم .


وقال: "وَقُلْ
جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً"الاسراء:81.
وقال: "فَإذا جاءَت الصّاخّة. يَوْمَ يَفِرّ المَرْءُ من أخيهِ" عبس. وقال: "فإذا
جاءَت الطّامّةُ الكُبْرَى" النازعات.


وهذا كله مما
فيه صعوبة ومشقة.


وقد تقول: وقد
قال أيضا: "هَلْ أَتاكَ حَديثُ الغَاشِيَة" والجواب: أن الذي جاء هنا هو الحديث
وليس الغاشية في حين ن الذي جاء هناك هو الطامة والصاخة ونحوهما مما ذكر


ويتضح الاختلاف
بينهما في الآيات المتشابهة التي يختلف فيها الفعلان، وذلك نحو قوله تعالى: "أَتَى
أَمْرُ الله" النحل، وقوله: "فَإذا جاءَ أَمْرُ اللهِ" غافر، ونحو قوله: "جاءَهُمْ
نَصْرُنا" يوسف، و"أَتاهُمْ نَصْرُنا" الأنعام، ونحو قوله: "لجاءَهُمُ العَذابُ"
العنكبوت، و"وأَتاهُمُ العَذابُ" النحل، وما إلى ذلك.


فإنه يتضح
الفرق في اختيار أحدهما على الآخر، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: "أَتَى أَمْرُ
اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 1"النحل.
وقال: "فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْمُبْطِلُونَ 78" غافر. فقد قال في النحل: "أَتَى أَمْرُ اللهِ"، وقال في غافر:
"جاءَ أَمْرُ اللهِ"، وبأدنى نظر يتضح الفرق بين التعبيرين، فإن المجيء الثاني أشق
وأصعب لما فيه من قضاء وخسران، في حين لم يزد في الآية الأولى على الإتيان. فاختار
لما هو أصعب وأشق (جاء) ولما هو أيسر (أتى).


ونحو ذلك قوله
تعالى: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ
الْمُجْرِمِينَ110" يوسف


وقوله:
"وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا
وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ
جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ34" الأنعام


فقال في آية
يوسف "جاءَهُمْ نَصْرُنا" وفي آية الأنعام: "أتاهُمْ نَصْرُنا" ومن الواضح ان
الحالة الأولى أشق وأصعب، وذلك أن الرسل بلغوا درجة الاستيئاس وهي أبعد وأبلغ، وذهب
به الظن إلى أنهم كُذبوا، أي: أن الله سبحانه وتعالى كذبهم ولم يصدقهم فيما وعدهم
به، وهذا أبلغ درجات اليأس وأبعدها، وعند ذاك جاءهم نصره سبحانه فنجّي من شاء وعوقب
المجرمون.


في يحن ذكر في
الآية الأخرى أنهم كُذّبوا، أي: كذّبهم الكافرون، وأوذوا فصبروا. وفرق بعيد بعيد
بين الحالتين، فلقد يُكذّب الرسل وأتباعهم ويُؤذَون، ولكن الوصول إلى درجة اليأس
والظن بالله الظنون البعيدة أمرٌ كبير.


ثم انظر إلى
خاتمة الآيتين تر الفرق واضحا، فما ذكره من نجاة المؤمنين ونزول اليأس علىالكافرين
في آية يوسف مما لا تجده في آ]ة الأنعام يدلك على الفرق بينهما.


ومن ذلك قوله
تعالى: "كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا
يَشْعُرُونَ . فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" الزمر:25 ـ 26


وقوله: "قَدْ
مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ
لا يَشْعُرُونَ. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ
شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ. النحل 26 ـ27


فقال في
الآيتين: "وأتاهُمُ العَذابُ" في حين قال: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ
وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ
لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"
العنكبوت:53 ـ 54 ـ55


فقال:
"فَجاءَهُمُ العَذابُ" وذلك أن الآيتين الأوليين في عذاب الدنيا بدليل قوله في آية
النحل: "ثُمّ يَوْممَ القِيامَةِ يُخزيهِم.." وقوله في آية الزمر: " فَأَذَاقَهُمُ
اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ" في حين أن آية العنكبوت في عذاب الآخرة، وحتى لو كانت في عذاب
الدنيا فإن ما ذُكر فيها من العذاب أشق وأشد مما في الآيتين الأخريين بدليل قوله:
"وإنَّ جَهَنّم لَمُحيطَةٌ بالكافِرينَ" وقوله: "يَوْمَ يَغشاهُمُ العَذابُ مِنْ
فَوْقِهِم ومِنْ تَحْتِ أرْجُلِهم.." فجاء لما هو أشق وأشد بالفعل (جاء) ولما هو
أيسر بـ (أتى).


وقد تقول:
ولكنه قال: "ولَيَأتِيَنّهُم بَغْتةً" فاستعمل مضارع (أتى).


والجواب: أن
القرآن لم يستعمل مضارعا للفعل (جاء) .. ولذلك كل ما كان من هذا المعنى مضارعا،
استعمل له مضارع (أتى) فلا يدخل المضارع في الموازنة، وسيأتي بيان ذلك.


ومن ذلك قوله
تعالى: "أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ
وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"
التوبة: 70 ـ 71



عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:36 am

فقال: "
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" وهو الموطن الوحيد الذي جاء فيه نحو هذا
التعبير في القرآن الكريم في حين قال في المواطن الأخرى كلها: "جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ"


ولو نظرت في
هذه التعبيرات، ودققت فيها لوجدت أن كل التعبيرات التي جاءت بالفعل (جاء) أشق وأصعب
مما جاء بـ (أتى)، وإليك بيان ذلك.


قال تعالى: "
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ
قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ. وَمَا وَجَدْنَا
لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ. ثُمَّ
بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِ
فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" الأعراف:101 ـ
102 ـ 103


فانظر كيف قال
في آية التوبة: "أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ." ولم يذكر أنهم كفروا
أو عوقبوا، في حين قال في آيات الأعراف: "فَما كانُ,ا لِيؤْمِنوا بِمَا كذّبُوا مِن
ْ قَبْل" فذكر عدم إيمانهم، وأنهم طُبع على قلوبهم: " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ
عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ"، وذكر أنه وجد أكثرهم فاسقين، وأنه لم يجد لأكثرهم
عهدا، وذكر بعد ذلك ظلم فرعون وقومه لموسى وتكذيبهم بآيات الله وعاقبتهم.


فانظر موقف
الأمم من الرسل في الحالتين وانظر استعمال كل من الفعلين جاء وأتى، يتبين لك الفرق
واضحا بينهما.


ومنه قوله
تعالى: " وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ
نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13" يونس


فقال:
"وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيّنات" وذلك أنه ذكر إهلاك القرون لظلمهم وذكر
تكذيبهم وعدم إيمانهم وذكر جزاء المجرمين.


وقال: "أَلَمْ
يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا
إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا
تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 9" ابراهيم ، إلى أن يقول: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى
مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ
الظَّالِمِينَ. "ابراهيم:12 ـ 13


ويمضي في وصف
عذاب الكفرة عذابا غليظا: "مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ.
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ" ابراهيم:17


فقال أيضا:
"وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهمْ بالبينات"، وأنا في غنى عن أبين موقف الأمم من رسلهم،
وكفرهم بما أرسلوا به، وتهديدهم لهم بإخراجهم من الأرض، وعن ذكر عذاب الكافرين
فيالدنيا بإهلاكهم وفي الآخرة بما وصفه أفظع الوصف.


فانظر إتيانه
بالفعل (جاء) وقارنه بالفعل (أتى) في آية التوبة يتضح الفرق بين استعمال الفعلين.


ومن ذلك قوله
تعالى: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ
وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ9
ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ
اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" الروم:10


فذكر عاقبة
الذين أساؤوا، وأنها السوأى تأنيث الأسوأ، أي: أسوأ الحالات على الإطلاق، وذكر
تكذيب الأمم لرسلهم واستهزاءهم بهم، في حين لم يصرح في آية التوبة بتكذيب ولا
استهزاء، ولم يذكر لهم عاقبة ما.


ومن ذلك قوله
تعالى: "وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ25 ثُمَّ
أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 26" فاطر


فذكر تكذيب
الأمم السابقة لرسلهم بعد أن جاؤوهم بكل ما يدعو إلى الإيمان من البينات والزبر
والكتاب المنير، وذكر أخذَه لهم وعلّق على ذلك بقوله: "فَكَيْفَ كان نَكيرِ"



ومن ذلك قوله
تعالى: " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً
فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَلَمَّا
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا
قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ.
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ
الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ"غافر:82 إلى
85


فقال:
"جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيّناتِ" ثم ذكر أن أممهم استهزؤوا برسلهم وبقوا على
شركهم حتى رأوا بأس الله ينزل بهم. فلم ينفعهم إيمانهم بعد فوات الأوان.


قارن هذه
الآيات التي وردت بالفعل (جاء) بالآية التي وردت بالفعل (أتى) وهي آية التوبة،
يتبين الفرق بين استعمال الفعلين: جاء وأتى.


وقد تقول: ولكن
ورد في القرآن (أتتكم الساعة) و (جاءتهم الساعة) والساعة واحدة فما الفرق؟


وأقول ابتداء
أنه لا يصح اقتطاع جزء من الآية للاستدلال، بل ينبغي النظرُ في الآية كلها وفي
السياق أيضا ليصحّ الاستدلالُ والحكم.


وإليك الآيتين
اللتين فيهما ذِكرُ الساعة:


قال تعالى: "
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ
السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ
يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 31" الأنعام



وقال: "قُلْ
أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ 41"
الأنعام


فقال في الآية
الأولى: "جاءَتْهُم السّاعَةُ" وقال في الثانية: "أَتَتْكُم السّاعَةُ"


وبأدنى تأمل
يتضح الفرق بين المقامين. فإن الأولى في الآخرة وفي الذين كذبوا باليوم الآخر، وهم
نادمون متحسرون على ما فرطوا في الدنيا، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وتوضحه
الآية قبلها وهي قوله تعالى: " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ
أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ
بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ30 قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا.. "الأنعام ، في
حين أن الثانية في الدنيا بدليل قوله: "أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ" وقوله: "بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ
إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " فذكر أنه يكشف ما يدعون إليه إن شاء،
وهذا في الدنيا، وإلا فإن الله لا يكشف عن المشركين شيئا في الآخرة ولا يستجيب لهم
البتة.


فالموقف الأول
أشق وأشد مما في الثانية، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) بخلاف الآية الثانية.


فاتضح أن
القرآن إنما يستعمل (جاء) لما هو أصعب وأشق. ويستعمل (أتى) لما هو أخف وأيسر.


ولعل من أسباب
ذلك أن الفعل (جاء) أثقل من (أتى) في اللفظ بدليل أنه لم يرد في القرآن فعل مضارع
لـ (جاء) ولا أمر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، ولم يرد إلا الماضي وحده بخلاف (أتى)
الذي وردت كل تصريفاته، فقد ورد منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم
المفعول. فناسب بين ثقل اللفظ وثقل الموقف في (جاء)، وخفة اللفظ وخفة الموقف في
(أتى) والله أعلم.


ونعود إلى ما
نحن فيه من قصة موسى عليه السلام، فقد قال في سورة النمل: "فلما جاءها" وقال في
سورة القصص: "فَلمّا أتاها" ذلك أن ما قطعه موسى على نفسه في النمل أصعب مما في
القصص، فقد قطع في النمل على نفسه أن يأتيهم بخبر أو شهاب قبس، في حين ترجى ذلك في
القصص. والقطع أشق وأصعب من الترجي. وأنه قطع في النمل، أن يأتيهم بشهاب قبي، أي:
بشعلة من النار ساطعة مقبوسة من النار التي رآها في حين أنه ترجّى في القصص ان
ياتيهم بجمرة من النار، والأولى أصعب. ثم إن المهمة التي ستوكل إليه في النمل أصعب
وأشق مما في القصص، فإنه طلب إليه في القصص أن يبلغ فرعون وملأه. وتبليغ القوم أوسع
وأصعب من تبليغ الملأ، ذلك أن دائرة الملأ ضيقة، وهم المحيطون بفرعون في حين أن
دائرة القوم واسعة، لأنهم منتشرون في المدن والقرى، وأن التعامل مع هذه الدائرة
الواسعة من الناس صعب شاق، فإنهم مختلفون في الأمزجة والاستجابة والتصرف، فما في
النمل أشق وأصعب، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) الذي هو أخف. ويدل على ذلك قوله
تعالى في سورة طه: "فلما أتاها نُودِيِ يا موسى" ذلك لأنه أمره بالذهاب إلى فرعون
ولم يذكر معه أحدا آخر: "اذهب إلى فرعون إنه طغى 24 قال رب اشرَحْ لي صَدْري 25
ويسّر لي أمري 26"


فانظر كيف لما
أرسله إلى فرعون قال: "أتاها"، ولما أرسله إلى فرعون وملئه قال (أتاها) أيضا في حين
لما أرسله إلى فرعون وقومه قال: "جاءها" وأنت ترى الفرق بين الموطنين ظاهرا.

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:38 am

ذكر
في القصص جهة النداء فقال: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ
مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ
الشَّجَرَةِ "
ولم
يذكر الجهة في النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل، وموطن النمل موطن إيجاز كما
ذكرت.


v

قال
في النمل: " نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ولم يذكر مثل
ذلك في القصص، بل ذكر جهة النداء فقط، وذلك لأن الموقف في النمل موقف تعظيم كما
أسلفنا وهذا القول تعظيم لله رب العالمين.


v

قال
في النمل "يا موسَى" وقال في القصص:
"أَنْ يا موسَى"

فجاء بـ (أن) المفسرة في القصص، ولم يأت بها في النمل، وذلك لأكثر من سبب:



منها أن المقام
في النمل مقام تعظيم لله سبحانه، وتكريم لموسى كما ذكرنا فشرفه بالنداء المباشر في
حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما
هذا معناه، فهناك فرق بين قولك: (أشرت إليه أن اذهب) و (قلت له اذهب) فالأول معناه:
أشرت إليه بالذهاب، بأيّ لفظ أو دلالة تدل على هذا المعنى. وأما الثاني فقد قلت له
هذا القول نصا، ومثله قوله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ104 قَدْ
صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105"الصافات



أي: بما هذا
تفسيره أو بما هذا معناه بخلاف قوله: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ
أَهْلِكَ" هود


ومنها أن
المقام في سورة القصص مقام تبسّط وتفصيل فجاء بـ (أن) زيادة في التبسط.


ومنها أن ثقل
التكليف في النمل يستدعي المباشرة في النداء، ذلك أن الموقف يختلف بحسب المهمة وقوة
التكليف كما هو معلوم.


v

قال
في النمل: "إنّهُ أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ"،
وقال في سورة القصص: "إِنّي أَنا اللهُ رَبُّ
العالَمينَ"


فجاء بضمير
الشأن الدال على التعظيم في آية النمل: "إِنّه أنا" ولم يأت به في القصص، ثم جاء
باسميه الكريمين "العَزيزُ الحَكيم" في النمل زيادة في التعظيم.


ثم انظر إلى
اختيار هذين الاسمين وتناسبهما مع مقام ثقل التكليف، فإن فرعون حاكم متجبر يرتدي
رداء العزّة، ألا ترى كيف أقسم السحرة بعزته قائلين: "بِعِزّةِ فِرعَوْنَ إنّا
لَنَحْنُ الغَالِبونَ 44" الشعراء. فاختار من بين أسمائه (العزيز) معرفا بالألف
واللام للدلالة على أنه هو العزيز ولا عزيز سواه، و(الحكيم) للدلالة على أنه لا
حاكم ولا ذا حكمة سواه، فهو المتصف بهذين الوصفين على جهة الكمال حصرا. وفي تعريف
هذين الاسمين بالألف واللام من الدلالة على الكمال والحصر ما لا يخفى ما لو قال
(عزيز حكيم) فإنه قد يشاركه فيهما آخرون.


ثم انظر من
ناحية أخرى كيف أنه لما قال: "أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ" لم يذكر أن موسى سأل
ربه أن يعزّزه ويقويه بأخيه، ولما لم يقل ذلك ذكر أنه سأل ربه أن يكون له ردءا،
يصدقه ويقويه وهو أخوه هارون.


وقد تقول:
ولكنه قال في القصص "إنّي اَنا اللهُ ربّ العالمينَ" وفي ذلك من التعظيم ما لا يخفى


ونقول: وقد قال
ذلك أيضا في النمل، فقد قال: "وسبحان الله ربّ العالمين" وزاد عليه: "إنّهُ أنا
الله العَزيزُ الحَكيمُ" فاتضح الفرق بين المقامين.


وقد تقول: ولم
قال في سورة طه: "إنّي أَنا ربّك فاخلعْ نَعلَيْكُ" بذكر ربوبيته له خصوصا، ولم يقل
كما قال في سورتي النمل والقصص "ربّ العالمين"؟


والجواب: أنه
في سورة طه كان الخطاب والتوجيه لموسى عليه السلام أولا فعلمه وأرشده فقال له: "
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ
لِذِكْرِي 14 إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا تَسْعَى 15" طـه، فطلب منه العبادة وإقامة الصلاة


وقال بعد ذلك:
"لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنا الكُبْرى 23" طه، ثم ذكر منته عليه مرة أخرى فقال:
"وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى37 إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا
يُوحَى 38" طـه


ويمضي في ذكر
منته عليه ولم يرد مثل ذلك في النمل، ولا في القصص.
فإنه لم
يذكر توجيها له أو إرشادا لعبادته في النمل، ولا في القصص فلم يأمره بعبادة أو صلاة
أو تكليف خاص بشأنه. ثم إنه في سورة القصص وإن كان قد فصّل في ذكر ولادته ونشأته
وما إلى ذلك فقد ذكرها في حالة الغيبة لا في حالة الخطاب: "وأوحينا إلى أمّ موسَى
أَنْ أَرْضِعيهِ" "إنْ كادَتْ لَتُبدي به .. فرددناه إلى أمه .. ولمّا بلَغَ أشُدّه
.. ودَخَل المَدينةَ .. "


في حين كان
الكلام في سورة طه بصورة الخطاب. فناسب أن يقول له في طه: "أنا ربّك" بخلاف ما في
النمل والقصص، والله أعلم.


v

قال
في النمل: "وَأَلْقِ عَصاكَ" وقال في القصص:
"وأنْ ألْقِ عَصاكَ"


فجاء بـ (أن)
المفسرة أو المصدرية. ونظيره ما مر في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى)


فقوله:
"وأَلْقِ عَصاك" قول مباشر من رب العزة، وهو دال على التكريم.


وأما قوله:
"وأنْ ألْقِ عَصاك" فإنه معناه أنه ناداه بما تفسيره هذا أو بما معناه هذا. فأنت
إذا قلت: (ناديته أن اذهب) كان المعنى ناديته بالذهاب. فقد يكون النداء بها اللفظ
أو بغيره بخلاف قولك: (ناديته اذهب)، أي: قلت له اذهب.


وهو نحو ما
ذكرناه في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى) من أسباب ودواعٍ فلا داعي لتكرارها.


v

قال
في النمل: "يا موسَى لا تَخَفْ" وقال في القصص:
"يا موسَى أقْبِلْ وَلا تَخَفْ"


بزيادة (أقبل)
على ما في النمل، وذلك له أ:ثر من سبب.


منها : أن
مقام الإيجاز في النمل يستدعي عدم الإطالة بخلاف مقام التفصيل في القصص.


ومنها أن شيوع
جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف.


فوضع كل تعبير
في مكانه الذي هو أليق به.


v

قال
في النمل: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلونَ"
وقال في القصص: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"


ذلك أن المقام
في سورة القصص مقام الخوف، والخائف يحتاج إلى الأمن فأمنه قائلا: "إنّكَ مِنَ
الآمِنينَ"


أما في سورة
النمل فالمقام مقام التكريم والتشريف، فقال: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرسَلونَ"
فألمح بذلك إلى نه منهم، وهذا تكريم وتشريف. ثم انظر كيف قال (لَدَيّ) مشعرا
بالقرب، وهو زيادة في التكريم والتشريف.


ثم انظر من
ناحية أخرى كيف أنه لما قال في سورة النمل: "لَدَيّ" المفيدة للقرب ناداه بما يفيد
القرب فقال: "يا موسى" ولم يقل: "أنْ يا موسى" كما قال في القصص، ففصل بين المنادي
والمنادَى بما يفيد البعد. وأمره أيضا بما يفيد القرب بلا فاصل بينهما فقال: "وألقِ
عَصاكَ" ولم يقل: "وأنْ ألقِ عَصاكَ" للدلالة على قرب المأمور منه. فناداه من قرب
وأمرَه من قرب، وذلك لأنه كان منه قريبا، فانظر علو هذا التعبير ورفعته.


ثم انظر من
ناحية أخرى كيف قال: "إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرسَلونَ" ولم يقل: (إني لا يخاف مني
المرسلون) لأن المرسلين لا يخافون بحضرته، ولكنهم يخشونه ويخافونه كل الخوف، وقد
قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أخشاكم لله) فهو أخوف الناس منه، وأخشاهم له.


v

قال
في النمل: "إلّا منْ ظَلَمَ ثمّ بَدّلَ حُسنا بَعدَ سوء
فإنّي غَفورٌ رحيمٌ"
ولم يقل مثل
ذلك في القصص، لأنه لا يحسن أن يقال: (إنك من الآمنين إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد
سوء) ولو قال هذا لم يكن كلاما.


هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى ناسب ذلك قول ملكة سبأ: "ربّ إني ظلَمْتُ نَفسي وأسْلَمْتُ مَع
سُلَيمانَ لله ربّ العَالمينَ" النمل، فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودها للشمس
منجون الله، ثم بدلت حسنا بعد سوء، فأسلمت لله رب العالمين فلاءم هذا التعبير موطنه
من كل ناحية.


وقد تقول: لقد
ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضا وهو قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي
ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
16" القصص


والحق أن
المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى عليه السلام حين قتل
المصري، وموسى لم يكن كافرا بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيبا
إلى ربه بعدما فعل فعلته: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي"
وقوله حين فر من مصر: "رَبّ نَجّني مِنَ القَوْمِ الظالِمينَ" وقوله: "قال عَسى ربي
أن يَهْدِيَني سَواء السّبيل"


فإن موسى لم
يبدل حسنا بعد سوء، ذلك انه عليه السلام لم يكن سيئا بخلاف ملكة سبأ، فإنها كانت
مشركة، وقد بدلت حسنا بعد سوء. فما جاء من قوله: "إلّا من ظَلَمَ ثُمّ بَدّل حُسنا
بَعدَ سوء.. " أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.


v

قال
في النمل: "وَأدخِلْ يَدَكَ في جَيْبِك" وقال في
القصص: "اسْلُك يَدَكَ في جَيْبِك"


لقد استعمل في
سورة القصص أمر الفعل (سلك) الذي يستعمل كثيرا في سلوك السبل فيقال: سلك الطريق
والمكان سلكا، قا تعالى: "والله جَعَلَ لَكُم الأرْضَ بِساطا 19 لتَسْلُكوا مِنها
سُبُلا فِجاجا 20" نوح، ذلك لأنه تردد سلوك الأمكنة والسبل في قصة موسى في القصص،
بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى وهو
ملقى في اليم إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقص أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين
بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيل إلى العبد الصالح في مدي، وسير موسى بأهله وسلوكه
الطريقَ إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سيرَه بأهله بعد قضاء الأجل بل إنه طوى
كل ذكر للسير والسلوك في القصة فقال مبتدئا: "إذْ قالَ موسَى لأهْلِهِ إنّي آنَسْتُ
نارا سآتيكُمْ مِنها بِخَبر" بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال: "فلمّا قّضى موسى
الأجَلَ وسارَ بأهلِهِ آنَسَ منْ جانِبِ الطورِ نارا" فحسن ذكر السلوك في القصص دون
النمل.


هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات ( انظر الآيات 12، 18، 19،
34، 44 ) في النمل في حين لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب
ذكره في النمل دون القصص.

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 6:39 am

ومن ناحية أخرى
إن الإدخال أخص من السَّلك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلك أو
السلوك قد يكون إدخالا وغير إدخال، تقول: سلكت الطريق وسلكت المكان، أي: سرت فيه،
وتقول: سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخال أخص وأشق من السلك والسلوك.
فإن السَّلك قد يكون سهلا ميسورا، قال تعالى في النحل: "فاسْلُكي سُبُلَ رَبّكِ
ذُلُلاً 69" فانظر كيف قال (ذللا) ليدلل على سهولته ويسره، وقال: "ألمْ تَرَ أنّ
الله أنْزَلَ مِن السّماءِ ماء فَسَلَكَهُ ينابِيعَ في الأَرْضِ 21" الزمر. وهل
هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟


فناسب وضع
السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد
ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله: "سآتيكُمْ مِنها بِخَبَرٍ" وقوله: "فَلَمّا جاءَها"
ومهمة التبليغ إلى فرعون وقومه.


وناسب أن يوضع
السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع لإدخال في مقام الأمن والثقة.


وناسب أن يوضع
الإدخال وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخص من الجذوة، وأن يوضع
السلوك وهو أعم من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس. فكل
لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماما


v

قال
في القصص: "واضْمُم إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرّهْب"
ولم
يذكر مثل ذلك في النمل. و(الرهب) هو الخوف ، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في
القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.


v

قال
في النمل: "في تِسْعِ آياتٍ" وقال في القصص:
"فَذانِكَ بُرهانانِ"


فقد أعطاه في
النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل
مقامَ ثقة وقوة وسّع المهمة، فجعلهما إلى فرعون وقومه، ووسّع الآيات فجعلها تسعا،
ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة وقلل من ذكر الآيات. وكل تعبير وضع
في مكانه المناسب.


ثم إن استعمال
كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة فقد تردد
ذكرُهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في
النملووضع البرهان في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة،
فناسب كل تعبير مكانه.


v

قال
في النمل: "إلَى فِرْعَوْنَ وَقوْمِهِ" وقال في
القصص: "إلى فِرْعَوْنَ ومَلئِهِ"


فوسع دائرة
التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى
بنفسه التي أوضحتها القصة. ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها،
بخلاف ما ورد في القصص


v

قال
في النمل: "فلَمّا جاءَتْهُم آياتُنا مُبْصِرَة ً قالوا
هذا سِحْرٌ مُبينٌ"


ومعنى ذلك أن
موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة
والثقة والتكريم، في حين قال في القصص: "قال ربّ إني قتلت منهم نفسا فأخافُ أن
يَقتُلونِ"، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل، وهو المناسب لجو الخوف في
السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام. وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما
هو ظاهر. والله أعلم

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى