لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 7:26 am



لمسات بيانية من سورتي
المؤمنون والمعارج


(منقول من موقع موسوعة الاعجاز)

من سورة
(المؤمنون)


قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ
هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ
{4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6} فَمَنِ
ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {7} وَالَّذِينَ هُمْ
لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {8} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى
صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {9} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ {10} الَّذِينَ
يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة المؤمنون].



من سورة
(المعارج)



(إِنَّ
الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
{19}
إِذَا
مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا {21}
إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23}
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ
وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26}
وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ
رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
{29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ
غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
{32}
وَالَّذِينَ هُم
بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ
يُحَافِظُونَ
{34}

أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ )[سورة المعارج].



هناك تشابه كبير
بين النصين، كما أن هناك اختلافاً بينهما كما هو ظاهر:





1.

فقد
قال في سورة المؤمنون :

(الذين هم في
صلاتهم خاشعون ).

وقال في سورة
المعارج
:(الذين
هم على صلاتهم دائمون).



2ـ وقال في سورة المؤمنون:
(والذين هم عن اللغو معرضون). ولم يذكر ذلك
في سورة المعارج.



3ـ وقال في سورة المؤمنون:
(والذين هم للزكاة فاعلون)
. وقال في سورة المعارج:
(والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)



4ـ وقال في سورة المعارج:
(والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون).
ولم يذكر
مثل ذلك في آيات المؤمنون.



5ـ وقال في سورة المعارج:
(والذين هم بشهادتهم قائمون) ولم يذكر نحو
ذلك في سورة المؤمنون.



6ـ وقال في سورة المؤمنون:
(والذين هم على صلواتهم يحافظون)، بالجمع.
وقال في سورة المعارج: (والذين هم على صلاتهم
يحافظون)،
بالإفراد



7ـ وقال في سورة المؤمنون:
(أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس).
وقال في سورة المعارج: (أولئك في جنات مكرمون)



8ـ قال في سورة المؤمنون:
(هم فيها خالدون). ولم يقل مثل ذلك في سورة
المعارج



فما سبب ذلك؟

نعود إلى هذين النصين، لنتلمس
سر التعبير في كل واحد منهما.



إن آيات النص الأول، هي مفتتح
سورة (المؤمنون) وارتباطها بآخر السورة قبلها
ظاهر، فقد قال تعالى في أواخر السورة التي قبلها:
(يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)
[الحج]
وختمها بقوله: (فأقيموا الصلاة وأتوا
الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).


فأنت ترى من الأمر بالركوع
والسجود وعبادة الله، وفعل الخير وتأكيد ذلك بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء
الزكاة ما يتناسب مناسبة ظاهرة مع مفتتح السورة وما ذكر فيها من صفات المؤمنين
من الصلاة والزكاة، وغيرها من الصفات.



] لقد ابتدأت السورة بقوله
تعالى:
(قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)
وفي
هذا النص تقرير لفلاح المؤمنين، وإخبار بحصوله في حين كان الفلاح مرجواً لهم في
السورة قبلها.


فقد قال ثمة:
( يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم
وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)
فقد أمرهم بالركوع والسجود، ليرجى لهم
الفلاح، وهنا تحقق الفلاح بعد أن فعلوا ما أمرهم به ربهم. وفهناك طلب وترج هنا
تنفيذ وحصول، فانظر التناسب اللطيف في التعبير، وكيف وضعه فنياً بديعاً. فقد
بدأ بالأمر والطلب من الذين آمنوا وأن يفعلوا ما يأمرهم به ربهم، فاستجاب الذين
آمنوا، ففعلوا أمرهم به، فوقع لهم الفلاح على وجه التحقيق، ثم انظر طيف طلب
منهم ربهم وكيف استجابوا


عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 7:34 am

قال:
( يا أيها الذين آمنوا) فناداهم بالصيغة
الفعلية الدالة على الحدوث، فاستجابوا واتصفوا بذلك على وجه الثبات، فوصفهم
بالصيغة الاسمية (المؤمنون)

ثم قال:
(اركعوا واسجدوا)، وقال: (فأقيموا الصلاة
وأتوا الزكاة)، فاتصفوا بما أمرهم به ربهم على وجه الثبات، فوصفهم
بالصيغة افسمية فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون
والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون).


ثم قال:
(لعلكم تفلحون) بصيغة ترجي الفلاح ثم أخبر
أنهم بعد أن قاموا بما أمرهم به ربهم، أن الفلاح قد وقع على جهة التحقيق
والتأكيد، فجاء بـ (قد) الداخلة على الفعل الماضي، وهي تفيد التحقيق والتوقع
والتقريب. فقد كان الفلاح متوقعاً مرجواً لهم، فحصل ما توقعوه وتحقق عن قريب.
فما أسرع ما نفذوا وما أسرع ما تحقق لهم الفلاح!

فانظر كيف اقتضى التعبير (قد)
من جهات عدة، وانظر ارتباط كل ذلك بالسورة قبلها.


جاء في (البحر المحيط) في هذه
السورة: "ومناسبتها لآخر السورة قبلها ظاهر، لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله:
(يا أيها الذين أمنوا اركعوا) الآية وفيها:
(لعلكم تفلحون) وذلك على سبيل الترجية فناسب
ذلك قوله: (قد أفلح المؤمنون) إخباراً بحصول
ما كانوا رجوه من الفلاح"[1]


لقد ابتدأ بالصفة التي تستدعي
الفلاح، لا فلاح من دونها وهي الإيمان، وكل ما عداها من الصفات، إنما هي تبع
لها فإن لم يكن إيمان فلا فلاح أبدأ، كما قرر في آخر السورة، فقد قال في أول
السورة: (قد أفلح المؤمنون)، وقال في
خاتمتها: (إنه لا يفلح الكافرون) فانظر
التناسب بين مفتتح السورة وخاتمتها، وانظر التناسب بين هذا المفتتح وخاتمة
السورة قبلها.


ثم ذكر أول صفة للمؤمنين، وهي
الخشوع في الصلاة فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)
والخشوع في الصلاة، يعني خشية القلب وسكون الجوارح، وهو روح الصلاة،
والصلاة من غير خشوع، جسد بلا روح"[2]


وهو ـ أي الخشوع ـ أمر مشترك
بين القلب والجوارح، فخشوع الجوارح، سكونها وترك الالتفات، وغض البصر وخفض
الجناح. وخشوع القلب خضوعه وخشيته وتذلله وإعظام مقام رب، وإخلاص المقال وجمع
الهمة[3]


" وكان الرجل إذا
قام إلى الصلاة، هاب الرحمن أن يشد بصره، إلى شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شؤون
الدنيا"[4].


وتقديم الوصف بالخشوع في
الصبلة على سائر الصفات المذكورة بعده "ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع"[5]


وللبدء بذكره أكثر من سبب
يدعوه إلى ذلك، فهو علاوة إلى ذل، فهو علاوة على أهميته، وأنه روح الصلاة،
مرتبط بما ورد في ختام السورة السابقة من ذكر الركوع والسجود، فقد قال:
(يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا) فذكر
ركني الصلاة الظاهرين، وههنا ذكر الركن الباطن، فاستكمل ما ذكره هناك.


[size=9] ثم إن السورة مشحونة بجو
الخشوع بشقيه سواء مات يتعلق بالقلب، ما يتعلق بالجوارح وبالدعوة إليه بكل
أحواله. فقد كرر الدعوة إلى التقوى، والتقوى أمر قلبي، وهي من لوازم الخشوع
فقال: (أفلا تتقون)


وقال:
(وأنا ربكم فاتقون)


وقال:
(إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) والخشية
والإشفاق أمر قلبي، وهما من لوازم الخشوع.


وقال:
(والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم
راجعون) [المؤمنون] والوجل أمر قلبي وهو من لوازم الخشوع أيضاً.


وذكر الكفار وذمهم بقوله:
(بل قلوبهم في غمرة)، وهذه الغمرة تمتعها منى
الخشوع والإعراض عما سوى الله تعالى وذكر القلوب ههنا أمر له دلالته، فلم يقل:
(هم في غمرة)، كما قال في مكان آخر من القرآن
الكريم (الذاريات 11) بل قال: (قلوبهم في غمرة)
والقلب هو موطن الخشوع ومكانه، فإن كان القلب في غمرة، فكيف يخشع؟


وقال في ذم الكفار:
(فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) فلم يخشوا
لأن الخاشع مستكين لربه متضرع متذلل إليه.

وقال:
(فاستكبروا وكانوا عالين) والاستكبار والعلو مناقضان للخشوع، إذ الخشوع،
تطامن وتذلل وخضوع لله رب العالمين.


فبدء السورة بالخشوع، هو
المناسب لجو السورة.


ثم إن البدء به له دلالة أخرى،
ذلك أنه ورد في الآثار، أن الخشوع أول ما يرفع من الناس[6]،
وقد جاء عن عبادة بن
الصامت أنه قال:
"يوشك أن تدخل
المسجد، فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً" وعن حذيفة أنه قال: "أول ما تفقدون من دينكم
الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، وتنقض عرى الإسلام عروة عروة"[7].


فبدأ بما يرفع أولاً، وختم بما
يرفع آخراً، وهو الصلاة، فقال: (والذين هم على
صلاتهم يحافظون).


ثم انظر كيف جاء بالخشوع
بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات ولم يقل: (يخشون) للدلالة على أنه وصف لهم
دائم في الصلاة غير عارض، فإنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإن الصلاة
إذا ذهب منها الخشوع كانت ميتة بلا روح.


ثم انظر كيف أنه لما وصفهم
بالإيمان على جهة الثبوت، وصفهم بالخشوع في الصلاة على جهة الثبوت والدوام
أيضاً فإنه لو قال: (يخشون) لصح الوصف لهم وإن حصل لحظة في القلب أو الجارحة في
حين أنه يريد أن يكون لهم الاتصاف في القلب والجوارح ما داموا في الصلاة.


وتقديم الجار والمجرور
(في صلاتهم) على
(خاشعون) له دلالته أيضاً، ذلك أن التقديم يفيد العناية والاهتمام، فقدم
الصلاة لأنها أهم ركن في الإسلام حتى أنه جاء في الأثر الصحيح، أن تاركها كافر
هادم للدين، وحتى أن الفقهاء اختلفوا في كفر تاركها فمنهم من قال: إن تاركها
كافر، وإن نطق بالشهادتين.


في حين أنه لو قدم الخشوع،
لكان المعنى أن الخشوع أهم، وليس كذلك فإن الصلاة أهم. والصلاة من غير خشوع
أكبر وأعظم عند الله من خشوع بلا صلاة، فإن المصلي، وإن لم يكن خاشعاً أسقط
فرضه وقام بركنه بخلاف من لم يصل.


وق تقول: وكيف يكون خشوع بلا
صلاة؟

فنقول: إن الخشوع وصف قلبي
وجسمي، يكون في الصلاة وغيرها، ويوصف به الإنسان وغيره. قال تعالى:
(وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً [طه]،
فوصف الأصوات بالخشوع.


وقال:
(خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة) [المعارج] فوصف
الأبصار بالخشوع.

وقال:
(وجوه يومئذ خاشعة) [الغاشية] فوصف الوجوه
به.


وقال:
(ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما
نزل من الحق) [الحديد] فوصف القلب بالخشوع.


وليس ذلك مقصوراً على الصلاة
كما هو واضح قال تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن
بالله وما أنزل غليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً
قليلاً) [آل عمران]


وقال:
(إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغباً
ورهباً وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء].


وقال:
(وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف
خفي) [الشورى].
.

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 7:39 am

فتقديم الصلاة ههنا أهم وأهم.


وقال بعدها:
(والذين هم عن
اللغو معرضون)


اللغو:"السقط،
وما لا يعتد به من كلام، وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع[8]
وفي (الكشاف) "إن:
اللغو ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه
وإطراحه"[9]


وقال الزجاج: "اللغو: هو كل
باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل.


] وقال الحسن: إنه المعاصي كلها[10



فاللغو جماع لمل ينبغي اطّراحه
من قول وفعل. ووضع هذه الصفة يجنب الخشوع في الصلاة ألطف شيء وأبدعه، فإن
الخاشع القلب الساكن الجوارح أبعد الناس عن اللغو والباطل. إذ الذي أخلى قلبه
لله وأسكن جوارحه، وتطامن وهدأ ابتعد بطبعه عن اللغو والسقط وما توجب المروءة
اطّراحه.

جاء في (الكشاف): "لما وصفهم
بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك
الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف"[11]
ويعني بالفعل
الخشوع، وبالترك الإعراض عن اللغو.


والحق إن الخشوع أمر يجمع بين
الفعل والترك، ففيه من الفعل جمع الهمة وتذللك القلب وإلزامه التدبر والخشية،
وفيه من الترك السكون وعدم الإلتفات وغض البصر وما إلى ذلك.


جاء في (التفسير الكبير):
"فالخاشع في صلاته، لا بد وأن يحصل له م ما يتعلق بالقلب نهاية الخضوع والتذلل
للمعبود. ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم. ومما يتعلق
بالجوارح، أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا
يلتفت يميناً وشمالاً"[12]


وما بعده من الصفات المذكورة
موزعة بين الفعل والترك، أو مشتركة فيهما كما هو ظاهر.


ولوضع هذه الصفة ـ أعني
الإعراض عن اللغو ـ بجنب الخشوع له دلالة أخرى، فإن السورة كما شاع فيها جو
الخشوع، كما أسلفنا فإنها شاع فيها أيضاً جو الترك والإعراض، وذم اللغو بأشكاله
المختلفة.

فمن ذلك أنه قال:
(كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) والعمل
الصالح مناقض للغو وعمل الباطل.


وقال:
(فذرهم في غمرتهم حتى حين)،والغمرة هي ما هم
فيه من لغو وباطل.


وقال:
(أولئك يسارعون في الخيرات وهم سابقون)
والمسارعة في الشيء ضد الإعراض عنه. و(الخيرات) ضد اللغو والباطل.


وقال في وصف الكفار:
(قد كانت أياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامراً
تهجرون)، والنكوص هو الإعراض، والهجر من اللغو، وهو القبيح من الكلام
والفحش في المنطق[13]


وقال:
(أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق
كارهون) وقولهم: (به جنة) من اللغو.
وقوله: (وأكثرهم للحق كارهون) من الإعراض، إذ
الكرة للشيء، إعراض نفسي عنه.

وقال في وصوف الكفار:
(وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون)
وتنكب الصراط، إعراض عن الحق



وقال:
(بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون).



وقال فيهم:
(ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم
يعمهون)، والطغيان هو الباطل وهو من اللغو.


وقال:
(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) والعبث هو
الباطل، وهو من اللغو واللهو، ووصف الله نفسه بالحق، والحق نقيض الباطل والباطل
من اللغو.

وقال:
(بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) ، والحق
نقيض الباطل، واللغو والكذب من اللغو في القول، إلى غير ذلك.


فأنت ترى أن السورة مشحونة بجو
الدعوة إلى الحق وذم اللغو في القول والعمل.


فوضع هذه الآية في مكانها له
دلالته في جو السورة، كما هو في الآية قبلها.

ثم انظر بناء هذه الآية، فإنه
جعلها اسمية المسند، فلم يقل: (والذين لا يلغون)،
أو (عن اللغو يعرضون)، وقدم الجار والمجرور
(عن اللغو) على اسم الفاعل (معرضون) ولكل سبب فغن قوله:
(عن اللغو معرضون) أبلغ من
(لا يلغون) ذلك أن الذي لا يغو، قد لا يعرض
عن اللغو بل قد يستهويه، ويميل إليه بنفسه ويحضر مجالسه، أما الإعراض عنه، فغنه
أبلغ من عدم فعله، ذلك أنه أبعد في الترك، فإن المعرض عن اللغو علاوة على عدم
فعله ينأى عن مشاهدته وحضوره وسماعه، وإذا سمعه أعرض عنه كما قال تعالى:
(وإذا سمعوا اللغو أغرضوا عنه) [القصص] فهم
لم يكتفوا بعدم المشاركة فيه، بل هم ينأون عنه.


ثم إن التعبير باسمية المسند،
يشير إلى أن إعراضهم عن اللغو، وصف ثابت فيهم، وليس شيئاً طارئاً. وهو مع ذلك
متناسب مع ما ذكر فيهم من الصفات الدالة على الثبوت.


وأما تقديم الجار والمجرور
(عن اللغو) فهو للاهتمام والحصر، إذ المقام
يقتضي أن يقدم المعرض عنه لا الإعراض فإن الإعراض قد يكون إعراضاً عن خير كما
قال تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون)
[المؤمنون] فتقديم الباطل من القول والفعل ليخبر أنهم معرضون عنه هو
الأولى. كما أنة فيه حصراً لما يعرض عنه، إذ الإعراض لا ينبغي أن يكون عن
الخير، بل الخير ينبغي أن يسارع فيه، فتقديم الجار والمجرور ليس لفواصل الآيات
فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه بل لأن المعنى يقتضيه أيضاً. [/size]


جاء في (روح المعاني): إن
قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) "أبلغ من
أن يقال:
(لا يلغون)[14]
من وجوه: جعل الجملة
اسمية دالة على الثبات والدوام، وتقديم الضمير المفيد لتقوي الحكم بتكرير،
والتعبير في المسند بالاسم الدجال على شاع على الثبات، وتقديم الظروف عليه
المفيد للحصر، وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأساً مباشرة
وتسبباً وقيلاً وحضوراً، فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه"([15]).


ثم قال بعدها:
(والذين هم للزكاة فاعلون).


إن هذا التعبير يجمع معاني عدة
كلها مرادة لا تؤدي في أي تعبير آخر. فإنه لو حذف اللام من (الزكاة) لكونها
زائدة مقوية، كما ذهب بعضهم، أو قدم (فاعلون) على (الزكاة) فحذف اللام أو
أبقاها، أو بدل (مؤتون) بـ (فاعلون) لم يؤد المعاني التي يؤديها هذا التعبير
البليغ، وهذا النظم الكريم، وهي معان جليلة مرادة كلها.


فغن (الزكاة) اسم مشترك بين
عدة معان، فقد يطلق على القدر الذي يخرجه المزكي من ماله إلى مستحقه، أي: قد
تطلق على المال المخرج.


وقد يطلق على المصدر بمعنى:
التزكية، وهو الحدث، والمعنى: إخراج القدر المفروض من الأموال إلى مستحقه.[/size]


وقد يكون بمعنى العمل الصالح،
وتطهير النفس من الشرك والدنس، كما قال تعالى:
(فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة و أقرب رحماً) [الكهف].



وقال:
(قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى].

وقال:
(قد أفلح من زكاهاقرب
أقر وقد خاب من دساها) [الشمس] أي: أفلح من طهر نفسه وخلصها من
الدنس والسوء.

وهذه المعاني مجتمعة يصح أن
تكون مرادة في هذا التعبير.

ذلك أنه يصح أن يكون المعنى:
والذين هم يؤدون الزكاة، وذلك على تضمين (فاعلون) معنى (مؤدون) أو على تقدير
مضاف محذوف، أي: والذين هم لأداء الزكاة فاعلون. فأصل الكلام على هذا:
(والذين هم فاعلون الزكاة) فالزكاة مفعول به
لاسم الفاعل (فاعلون)، ثم قدم المفعول للاختصاص فصار (الزكاة فاعلون) كما تقول:
(أما زيداً ضارب)، ثم زيدت اللام لتوكيد الاختصاص، وهو قياس مع مفعول اسم
الفاعل تقدم أو تأخر، كما قال تعالى: (وهو الحق
مصدقاً لما معهم) [البقرة].



عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 1:15 pm

وتسمى هذه اللام لام التقوية.
وبهذين التقديرين يكون المقصود بالزكاة اسم العين، وهو المال الذي يخرج
لمستحقه.

ويصح أن تكون (الزكاة) بمعنى
التزكية وهو الحدث، أي: فعل المزكي، فيكون (فاعلون) بمعناها فيكون أصل التعبير
(فاعلون الزكاة) ومعنى (فعل الزكاة) زكى، أو أخرج الزكاة، كمل يقال للضارب فعل
الضرب.
جاء في (الكشاف): "الزكاة اسم
مشترك بين عين ومعنى. فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير.
والمعنى: فعل المزكي الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين
فاعلين له. ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل.
ويقال لمحدثه: فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي:
فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله.

والتحقيق أنك تقول في جميع
الحوادث: من فاعل هذا؟ فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق. ولم يمتنع الزكاة
الدالة على العين، أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل،
ولكل لأن الخلق ليسوا بفاعليها .. ولا يجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف
محذوف وهو الأداء"[16]


وجاء في (البحر المحيط):
"والزكاة إن أريد بها التزكية صح نسبة الفعل إليها، إذ كل ما يصدر صح أن يقال
فيه فعل. وإن أريد بالزكاة قدر ما يخرج من المال للفقير، فيكون على حذف: أي
لأداء الزكاة فاعلون، إذ لا يصح فعل الأعيان من المزكي أو يضمن (فاعلون) بمعنى
(مؤدون) وبه شرحه التبريزي"[17]
وجاء في (روح المعاني):
"الظاهر أنم المراد بالزكاة المعنى المصدري ـ أعني التزكية ـ لأنه الذي يتعلق
به فعلهم. وأما المعنى الثاني، وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا يكون نفسه
مفعولاً لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف، أي لأداء الزكاة فاعلون. أو تضمن
(فاعلون) معنى (مؤدون) وبذلك فسره التبريزي إلا أنه تعقب بأنه لا يقال: (فعلت
الزكاة)، أي: أديتها. وإذا أريد المعنى الأول أدى وصفهم بفعل التزكية إلى أداء
العين بطريق الكناية التي هي أبلغ، وهذا أحد الوجوه للعدول عن (والذين يزكون)
إلى ما في النظم الكريم"[18]

وجاء في (فتح القدير): "و معنى
فعلهم للزكاة تأديتهم للها فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل،
والمراد بالزكاة هنا المصدر، لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل: يجوز أن يراد بها
العين على تقدير مضاف، أي: والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون"
ويصح أن تكون الزكاة بمعنى العمل الصالح وتطهير النفس، فيحتمل أن تكون اللام زائدة مقوية دخلت على المفعول به (الزكاة) فيكون معنى (فهل الزكاة) فعل العمل الصالح وتطهير النفس كما يقال: (فعل خيراً، أو فعل شراً) فيكون معنى الآية: (الذين هم فاعلون العمل الصالح وتطهير النفس) واللام زائدة في المفعول ويسمونها مقوية وهي تفيد توكيد الاختصاص في المفعول المقدم، أي:لا يفعلون إلا ذاك

ويحتمل أن تكون اللام لام التعليل، أي: يفعلون من أجل الزكاة، أي: هم عاملون من أجل تزكية نفوسهم وتطهيرهم والمفعول محذوف، فيكون الفعل عاماً، وهو كل ما يؤدي إلى الخير وتطهير النفس.

جاء في (روح المعاني): "وعن أبي مسلم، أن الزكاة هنا بمعنى العمل الصالح كما في قوله تعالى: (خيراً منه زكاة) واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة، واللام للتعليل والمعنى: والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى، أو يزكوا أنفسهم ... قال صاحب "الكشاف" معنى الآية، الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير. ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) و (قد أفلح من زكاها)" [20]

وجاء في (البحر المحيط): "وقيل (للزكاة) للعمل الصالح كقوله: (خيراً منه زكاة)، أي: عملاً صالحاً. قاله أبو مسلم. وقيل: الزكاة هنا: النماء والزيادة. واللام، لام العلة ومعمول فاعلون محذوف التقدير: والذين هم لأجل تحصيل النماء والزيادة فاعلون الخير"[21]

فالزكاة إذن تحتمل العبادة المالية، وتحتمل العمل الصالح والتطهير والنماء، واللام تحتمل التقوية، وتحتمل التعليل، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو يريد الذين يؤدون الزكاة، ويفعلون العمل الصالح، وتطهير النفس ويفعلون من أجل ذلك. ولا تجتمع هذه المعاني في أي تعبير آخر.

فلو أبدل كلمة (مؤتون) مكان (فاعلون) لاقتصر الأمر على زكاة المال، ولو حذف اللام، لم يفد معنى التعليل، فانظر كيف جمع عدة معان بأيسر سبيل.

جاء في (تفسير ابن كثير): "الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة، إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس منى الشرك والدنس كقوله: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال فغنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل،ة هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم"[22] .

وتقديم الزكاة للاهتمام والعناية والقصر، أي: لا يفعلون إلا الخير، والزكاة منها.

وقد تقول: ولم لم يقل: (والذين هم للصلاة فاعلون)، كما قال: (والذين هم للزكاة فاعلون)؟

والجواب: أن إخراج النصاب إلى مستحقه كاف لأداء فريضة الزكاة، وليس وراءه شيء يتعلق بها، فإن لم يفعل ذلك فلا زكاة. أما فعل الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود مع هيئاتها الأخرى، فليس بكاف، بل ينبغي أن يكون مع ذلك خشوع وتدبر وحضور قلب وسنن، وآداب تكمل هذه الأفعال الظاهرة وتتمها، ولذلك قال r: "لك من صلاتك ما عقلت منها"،فأتضح الفرق بينهما.

وقال بعدها: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).

قيل: المعنى: أنهم ممسكون لفروجهم على أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.

جاء في (البحر المحيط): (حفظ) لا يتعدى بعلى ... والأولى أن يكون من باب التضمين ضمن (حافظون) معنى ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: (أمسك عليك زوجك)" [23]

وجاء في (فتح القدير): "ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم... وقيل: إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ. أي: لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل: المعنى: إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم"[24] .

إن اختيار هذا التعبير اختيار عجيب، وفيه آيات عظيمة لمن تدبر ونظر. ذلك أنه قال: (والذين هم لفروجهم حافظون)، ولم يقل (ممسكون) أو نحو ذلك مما فسر به. وفي اختيار (الحفظ) سر بديع، ذلك أن الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكون حافظاً لنفسه ولفرجه من الآفات والأمراض والأوجاع التي تصيبه، وهي أمراض وبيلة وخيمة العاقبة. ومن أرسله في المحرمات، فإنما يكون قد ضيعه وضيع نفسه.

جاء في الحديث: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"[25] .

واختيار: (غير ملومين) في قوله: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)، اختيار لطيف، ذلك أنه علاوة على ما يفيده ظاهر النص من أن الذي يعتدي على أعراض الناس ملوم على ما فعل، فإنه يفيد أيضاً أن الذي يبتغي وراء ما ذكر ملوم من نفسه ومن الناس لما يحدث في نفسه وفيهم من أضرار وأمراض فه يلوم نفسه على ما أحدث فيها من أوجاع وعاهات مستديمة، وعلى ما أحدث في زوجه وعائلته. وحتى ولده الذي لا يزال جنيناً في بطن أمه قد يصيبه من عقابيل ذلك ما يجعله شقياً معذباً طوال حياته، وملوم من المجتمع على ما أحدثه في نفسه وعلى ما يحدثه فيهم من أمراض معدية مهلكة. فمن حفظ فرجه فهو غير ملوم، وإلا فهو ملوم أشد اللوم.

ثم قال: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).

و(العادون) هم المعتدون، ومعنى الآية: أن هؤلاء هم "الكاملون في العدوان المتناهون فيه"[26] فإنه لم يقل: (فأولئك عادون) أو (من العادين) بل قال: (فأولئك هم العادون) للدلالة على المبالغة في الاعتداء من جهة أن العرض أثمن وأعلى من كل ما يعتدى عليه وينال منه، ومن جهة أن هؤلاء هم أولى من يوصف بالعدوان، لأنهم يعتدون على أنفسهم بما يجرون على أزواجهم وعوائلهم، بما ينقلونه إليهم من هذه الأوجاع والأمراض، ويعتدون على أولادهم وعلى الجيل اللاحق من أبنائهم، ممن لم يظهر إلى الدنيا بما يلحقونه بقهم منة هذه الآفات المستديمة، ويعتدون على المجتمع الذي يعيشون فيه، بما ينقلونه إليه من أمراض معدية مرعبة وما (الإيدز) إلا واحد من هذه الأمراض الوبيلة المرعبة. أفهناك عدوان أوسع من هذا العدوان وأخطر منه؟

نحن نعرف أن المعتدي قد يتعتدي على بيت أو قبيلة، أما أن يمتد العدوان إلى الإنسان نفسه وأولاده وزوجه وربما إلى طبيبه الذي يعالجه، وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأولى بأن يوسم صاحبه به.

أفرأيت العلو في الاختيار والجلالة فيه، إنه لا يؤدي تعبير آخر مؤداه.

إنه لم يقل: (فأولئك هم الضالون) أو (أولئك هم الخاطئون) أو (الفاسقون)، مما إلى ذلك مع أنهم منهم، لأن هذه صفات فردية، وليس فيها إشارة إلى العدوانية، كما ليس فيها إشارة إلى الخطر الهائل الذي يحيق بالمجتمع من جراء ذلك.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن ذلك أنسب مع قوله: (غير ملومين) فإن المعتدي ملوم على عدوانه أكثر من صاحب الأوصاف التي ذكرناها.

وهناك أمر آخر لاءم بين ذكر هذه الصفات، هو أن الصفات المذكورة كلها ذات علاقة بالآخرين، وليست فردية، فالذي لا يحفظ فرجه، إنما يرسله فيما لا يحل له من أفراد المجتمع، وقوله: (غير ملومين) كذلك فغن الملوم يقتضي لائماً، وقد فعل ما يقتضي اللوم من الآخرين، وقوله: (هم العادون) كذلك فإن العادي يقتضي معتدى عليه، ولا يسمى عادياً حتى يكون ثمة معتدى عليه. فالصفات هذه كلها كما ترى ليست فردية. فانظر التناسب اللطيف بينها.

ثم انظر كيف اختار التعبير عن هذه الصفات بالصيغة الاسمية فقال: (حافظون)و (ملومين) و (العادون) للدلالة على ثبات هذه الصفات. فقوله: (والذين هم لفروجهم حافظون) يفيد ثبات الحفظ ودوامه وعدم انتهاكه على سبيل الاستمرار، لأن هذا لا ينبغي أن يخرم ولو مرة واحدة.

ومن فعل ذلك على وجه الدوام فإنه غير ملوم على وجه الدوام، أيضاً فإن خالف ليم على ذلك. والذي يبتغي وراء ذلك، ويلهث وراء الفاحشة، فهو معتد على وجه الثبات أيضاً، وقد يثبت هذا العدوان، فلا يمكن إزالته أبداً، وذلك ببقاء آثاره على نفسه وعلى الآخرين.

فانظر رفعة هذا التعبير وجلاله.

ثم قال بعدها: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)


عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 1:17 pm

وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر، إذ أن كلا من الفروج والأمانات
ينبغي أن يحفظ، فالفروج ينبغي أن تحفظ وتصان وكذلك الأمانات. ومن لم يحفظ
الأمانة والعهد، فهو ملوم كما هو شأن من لم يحفظ فرجه. ومن ابتغى ما لا
يحل من الفروج عاد، وكذلك الباغي على الأمانة عاد ظالم.

وقد قدم الأمانة على العهد، وجمع الأمانة وأفرد العهد. أما جمع الأمانة،
فلتعددها وتنوعها فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما يؤتمن عليه الشخص من ودائع
الناس وأموالهم، ومنها ما يطلع عليه من أسرار الناس وأحوالهم، ومنها
الأقوال التي يسمعها ويستأمن عليها مما لا يصح أن يذيعه منها، ومنها أن
يودع شخص أهلاً له عند شخص حتى يعود ويقول له: هؤلاء أو صغاري عندك أمانة
حتى أعود، أو حتى يكبروا، فهو يتولى أمرهم ويرعاهم، والزرع قد تجعله أمانة
عند شخص فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة عند أميرهم
ومتولي أمرهم، والقضاء أمانة ثقيلة، والشرع أمانة، قال تعالى: ( إنا عرضنا
الأمانة على السموات والأرض والجبال) [الأحزاب].

جاء في (البحر المحيط): "والأمانة الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر
ونهي، وشأن ودين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول الجمهور ولذلك قال أبي
بن كعب: من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها"[27].

وفي الحديث(المؤذن مؤتمن) يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم
وصيامهم[28]، فصلاة الناس وصيامهم أمانة عنده. وفي الحديث أيضاً: (المجالس
بالأمانة) و "هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل،
فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه. والأمانة تقع على الطاعة والعبادة
والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث"[29] ، وفي الحديث:
"الإيمان أمانة ولا دين لمن لا أمانة له" وفي حديث آخر: "لا إيمان لمن لا
أمانة له" وفي الحديث: "أستودع الله دينك وأمانتك" أي: أهلك، ومن تخلفه
بعدك منهم، ومالك الذي تودعه"[30] .

جاء في (روح المعاني) في قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون):
"الآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما ائتمنوا عليه، وعوهدوا من جهة
الله تعالى، ومن جهة الناس كالتكاليف الشرعية والأموال المودعة والإيمان
والنذور والعقود ونحوها. وجمعت الأمانة دون العهد قيل: لأنها متنوعة
متعددة جداً بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من
ذلك ولا كذلك العهد"[31] .

وجاء فيه أيضاً: "وكأنه لكثرة الأمانة، جمعت ولم يجمع العهد، قيل: إيذاناً
بأنه ليس كالأمانة كثرة، وقيل: لأنه مصدر، ويدل على كثرة الأمانة ما روى
الكلبي: كل أحد مؤتمن على ما افترض عليه من العقائد والأقوال والأحوال
والأفعال، ومن الحقوق في الأموال، وحقوق الأهل والعيال وسائر الأقارب
والمملوكين والجار وسائر المسلمين. وقال السدي: إن حقوق الشرع كلها أمانات
قد قبلها المؤتمن وضمن أداءها بقبول الإيمان. وقيل: كل ما أعطاه الله
تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عندهن، فمن استعمل ذلك في غير ما
أعطاه لأجله، وأذن سبحانه له به، فقد خان الأمانة[32].

فقد رأيت من تعددها وتنوعها وتشعبها، ما يدعو إلى جمعها وليس كذلك العهد،
فأفرد العهد وجمع الأمانة. وأما تقديمها على العهد، فلأهميتها كما رأيت،
وحسب ذلك أن يكون الشرع كله كما مر، وحسبك منذ لك قوله r: " الإيمان
أمانة، ولا دين لمن لا أمانة له" وقوله: لا إيمان لمن لا أمانة له".

وجاء في (فتح القدير): "والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة"[33].

أما اختيار كلمة (راعون) مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استخدم مع
الفروج، فله سبب لطيف ذلك أن (راعون) اسم فاعل من (رعى) وأصل الرعي حفظ
الحيوان، وتولي أمره وتفقد شأنه.

جاء في (الكشاف): "والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم
وراعي الرعية. ويقال: من راعي هذا الشيء؟ أي: متوليه وصاحبه"[34].

وجاء في (روح المعاني) تفسير (راعون): "قائمون بحفظها وإصلاحها. وأصل
الرعي، حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه، ثم
استعمل في الحفظ مطلقاً"[35] .

فالرعي ليس مجرد الحفظ، بل هو الحفظ والإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه،
وتفقد أحواله وما إلى ذلك. وهذا ما يتعلق بالأمانة كثيراً وليس مجرد الحفظ
كافياً. فمن ائتمن عندك أهله وصغاره، فلا بد من أن تتفقد أمورهم وتنظر في
أحوالهم وحاجاتهم علاوة على حفظهم، وكذلك من تولى أمر الرعية، ونحوه من
اؤتمن على زرع أو ضرع، وكذلك ما حمله الله للإنسان من أمر الشرع يحتاج إلى
قيام به وتحر للحق فيما يرضي الله وما إلى ذلك من أمور لا يصح معها مجرد
الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم.

ثم إن هناك فرقاً آخر رعي الأمانة وحفظ الفروج، ذلك أن الفروج جزء من
الإنسان، هي لا تند عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما
تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية كما يحتاج الحيوان
إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية. وقد يصعب على الإنسان المحافظة على
الأمانة، من العادين واللصوص فيضطر إلى تخبئتها في أماكن لا ينالها النظر
ولا يطولها التفتيش، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها كما ينظر الراعي
لها أنسب من الحفظ.

ثم إن اختيار كلمة (راعون) بالصيغة الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم
يقل: (يرعون) ذلك ليدل على لزوم ثبات الرعي ودوامه وعدم الإخلال به البتة.

وأما تقديم الأمانة والعهد على (راعون) فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أولى ما يرعى في هذه الحياة.

وزيادة اللام، تفيد الزيادة في الاختصاص وتوكيد. وتفيد فائدة أخرى إلى
جانب ما ذكرت، ذلك أن كلمة (الراعي) قد تكون بمعنى الصاحب، تقول: (من راعي
هذه الديار؟) و (من الراعي لهذه الدار؟) أي: من صاحبها ومتولي أمرها؟

فيكون المعنى على هذا: والذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي: هم أهلها
ومتولوها لو قيل بدل ذلك: الذين هم يرعون الأمانة والعهود، لم تفد هذه
الفائدة الجليلة.

ثم قال بعد ذلك: (والذين هم على صلواتهم يحافظن)

فختم بالمحافظة على الصلاة، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما في الحديث
الشريف، فلعل الختم بالمحافظة عليها إشارة إلى ذلك، أي أنها خاتمة عرى
الإسلام.

إن ذكر الصلاة في البدء والخاتمة تعظيم لأمرها أيما تعظيم.

جاء في (روح المعاني): "وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم
لشأنها وتقديم الخشوع للاهتمام به، فإن الصلاة بدونه كلا صلاة بالإجماع،
وقد قالوا: صلاة بلا خشوع جسد بلا روح"[36] .

فقد بدأ بالخشوع في الصلاة، وكأنه إشارة إلى أول ما يرفع، وختم بالمحافظة عليها إشارة إلى آخر ما يبقى، والله أعلم.

والخشوع غير المحافظة، فالخشوع أمر قلبي متضمن للخشية والتذلل، وجمع الهمة
والتدبر، وأمر بدني وهو السكون في الصلاة كما سبق ذكره فهو صفة للمصلي في
حال تأديته لصلاته. وأما المحافظة فهي المواظبة عليها، وتأديتها وإتمام
ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها، وأن يوكلوا نفوسهم
بالاهتمام بها، وبما ينبغي أن تتم به أوصافها[37].

وقيل: "المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها"[38] .

وكل ذلك مراد، لأنه من المحافظة عليها.

وذكرت الصلاة أولاً بصورة المفرد ليدل ذلك على أن الخشوع مطلوب في جنس
الصلاة، ففي كل صلاة ينبغي أن يكون الخشوع، أياً كانت الصلاة فرضاً أو
نافلة، فالصلاة ههنا تفيد الجنس.

وذكرت آخراً بصورة الجمع للدلالة على تعددها من صلوات اليوم والليلة إلى
صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجنازة، وغيرها من الفرائض والسنن، فالمحافظة
ينبغي أن تكون على جميع أنواع الصلوات.

جاء في (الكشاف): "وقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أس صلاة
كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي: الصلوات الخمس والوتر
والسنن الرتبة على كل صلاة، وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء
والكسوف، وصلاة الضحى والتهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة وغيرها من
النوافل"[39] .

واستعمال الجمع مع المحافظة أنسب شيء للدلالة على المحافظة عليها بأجمعها.
وقد جيء بالفعل المضارع، فقال: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)، بخلاف ما
مر من الصفات للدلالة على التجدد والحدوث، لأن الصلوات لها مواقيت وأحوال
تحدث وتتجدد فيها فيصلى لكل وقت وحالة، فليس فيها من الثبوت ما في الأوصاف
التي مرت، فهناك فرق مثلاً بينها وبين قوله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)،
لأن الخشوع ينبغي أن يكون مستمراً ثابتاً في الصلاة لا ينقطع، فهو صفة
ثابتة فيها. وكذلك قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) فإنه ينبغي أن يكون
الإعراض عن اللغو دائماً مستمراً لا ينقطع، وكذلك قوله: (والذين هم
لفروجهم حافظون) فإن حفظ الفروج ثابت دائم.

وأما العطف بالواو في كل صفة من هذه الصفات، فللدلالة على الاهتمام بكل
صفة على وجه الخصوص، وهذا ما تفيده الواو من عطف الإخبار والصفات[40] .

وكذلك ذكر الاسم الموصول مع كل صفة، فإنه يدل على الاهتمام والتوكيد، فإنه
لم يقل مثلاً: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعن اللغو
معرضون وللزكاة فاعلون ...الخ) بل كرر الموصول مع كل صفة للدلالة على
توكيد هذه الصفات، وأهمية كل صفة.

جاء في (تفسير فتح القدير): "وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته، يستحق أن يستقل بموصوف متعدد"[41] .

ثم قال بعد ذلك: (أولئك هم الوارثون)

فجاء بضمير الفصل والتعريف في الخبر، للدلالة على القصر، أي: هؤلاء
الجامعون لهذه الأوصاف، هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم ثم فسر هذا
الإبهام ثم الإيضاح بعده من الفخامة ما فيه.

جاء في (الكشاف): (أولئك) الجامعون لهذه الأوصاف (هم الوارثون) الأحقاء
بأن يسموا وراثاً دون عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله: (الذين يرثون
الفردوس) فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر"[42] .

ثم انظر إلى تقديم الجار والمجرور على الخبر، في قوله: (هم فيها خالدون*)
للدلالة على القصر وتناسب ذلك مع التقديم في الأوصاف السابقة: في صلاتهم
خاشعون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، فجازاهم
من جنس عملهم، فإن أولئك الذين قصروا أعمالهم على الخير، قصر الله خلودهم
في أعلى الجنة، وهو الفردوس، فلا يخرجون عنه إلى ما هو أدنى درجة منه،
فكان خلودهم في الفردوس لا في غيره. والفردوس أعلى الجنة وأفضلها ومنه
تتفجر أنهار الجنة كما جاء في الحديث.


عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 1:20 pm

ثم نأتي إلى سورة المعارج:

قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا {19} إِذَا مَسَّهُ
الشَّرُّ جَزُوعًا {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا {21} إِلَّا
الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23}
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ
وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26}
وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ
رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَافِظُونَ {29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء
ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ
لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {32} وَالَّذِينَ هُم
بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ
يُحَافِظُونَ{34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ )[سورة المعارج].

قال تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا)

بنى الفعل (خلق) للمجهول، ذلك أن المقام مقام ذم لا تكريم مقام ذكر جانب
مظلم من طبيعة البشر. والله سبحانه لا ينسب الفعل إلى نفسه في مقام السوء
والذم.

قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن قويم) [التين] فنسب الفعل إلى ذاته
في مقام المدح وقال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا
لأدم) [الأعراف].

وقال: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) [الأعراف]

في حين قال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) [النساء]

وقال: (إن الإنسان من عجل) [الأنبياء]

وقال: (إن الإنسان خلق هلوعاً) [المعارج]

والهلع فسره ربنا بقوله: (إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً)، فهو الجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير.

جاء في (الكشاف): "الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس
الخير و(الخير): المال والغنى و(الشر): الفقر، أو الصحة والمرض إذا صح
الغني منع المعروف وشح بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي"[43]

وجاء في (تفسير ابن كثير): "أي: إذا مسه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.

(وإذا مسه الخير منوعاً) أي: إذا حصلت له نعمة من الله، بخل بها على غيره، ومنع حق الله ـ تعالى ـ فيها"[44] .

وجاء في (فتح القدير): "قال في الصحاح: الهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ
الجزع وأفحشه أي: إذا أصابه الفقر والحاجة، أو المرض ونحو ذلك، أي كثير
الجزع وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك، فهو كثير المنع
والإمساك"[45] .

والجزع ضد الصبر ونقيضه، وقد قابله الله بالصبر فقال: (سواء علينا أجزعنا
أم صبرنا ما لنا من محيص) [إبراهيم] وجاء في (لسان العرب): "الجزوع ضد
الصبور على الشر، والجزع نقيض الصبر وقيل: إذا كثر منه الجزع، فهو جزع
وجزاع"[46] .

وقد بدأ بالشر قبل الخير، فقال: (إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير
منوعاً) وذلك لأن السياق يقتضي ذلك، فقد بدأت السورة بالعذاب، وهو قوله
تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع) وذكر قبل هذه الآية مشهداً من مشاهد العذاب،
فقال: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه كلاً إنها
لظى نزاعة للشوى).

فالمناسب إذن هو البدء بالشر، وهو الذي يقتضيه السياق وجو السورة فالإنسان
خلق هلوعاً لا يصبر إذا م سه الشر بل يجزع وذكر الجزع ههنا وهو عدم الصبر
مناسب لقوله تعالى في أوائل السورة: (فاصبر صبراً جميلاً) فهو يأمر نبيه
بالصبر الجميل. والصبر طارد للجزع المقيت الذي طبع عليه الإنسان وتحرر منه
من أراد الله له بالخير.

واستثنى من الاتصاف بصفة هذه بشقيها: الجزع والمنع للخير، من ذكرهم بعد هذه الآية بقوله: (إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون)

والدوام على الصلاة معناه المواظبة عليها والانهماك فيها حتى تنتهي، وعدم الانشغال عنها، وليس المراد أنهم يصلون أبداً.

جاء في (البحر المحيط): "ديمومتها، قال الجمهور: المواظبة عليها وقال ابن مسعود: صلاتها لوقتها.

وقال عقبة بن عامر: يقرون فيها ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً"[47] .

وجاء في (فتح القدير): "أي لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً"[48]

وجاء في (روح المعاني): "أخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة قال لهم:
من الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا الذين لا يزالون وأما ارتباطها
بقوله: (إن الإنسان خلق هلوعاً) فهو أجمل ارتباط وأحسنه ذلك أن الدوام
الصلاة علاج للجزع، وعلاج لمنع الخير. فإن الجزوع شخص لا يصبر.

وعلاج هذه الصفة أن يتعلم الصبر ويتعوده، والدوام على الصلاة والمواظبة
عليها والاستمرار عليها من أحسن ما يعود على الصبر، فإن هذه الأعمال تقتضي
صبراً متواصلاً، ولذا لا يدوم، عليها كثير من النسا، فهم يصلون ولمكن لا
يدومون على صلاتهم، بل ينشغلون عنها بأنفسهم وقلوبهم وتسرح في دواخلهم
صوارف تنال كثيراً من صلاتهم. فالدوام عليها علاج من أنجع الأدوية للتعويد
على الصبر والمعافاة من الجزع.

وهي كذلك علاج لمنع الخير ذلك أن الدائم في صلاته يتعود أن يعطي من نفسه
ووقته لربه، بل يعطيه نفسه كلها ووقته في الصلاة، وأم يتحرر من العبودية
لرغبته وشهوته فيدوم على أمر ليس في مصلحة دنيوية ظاهرة له، بل قد يفوت
عليه شيئاً علاجاً كما ذكر ربنا في قوله في صلاة الجمعة": (وإذا رأوا
تجارة أو لهوا انفضوا إليها) [الجمعة]

فالدوام على الصلاة علاج ناجع لهذه النفوس الجاسية لتسمح من وقتها ومالها
وكل ما يربطها برغباتها وشهواتها ولذا لمك يكف بقوله: (إلا المصلين) بل
قال: (الذين هم على صلاتهم دائمون).

ثم قال بعد ذاك: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)

قيل: إن المراد بالحق المعلوم الزكاة لأنها مقدرة معلومة، وقيل غير ذلك[49]

وعلى أية حال فإن هؤلاء وضعوا في أموالهم حقاُ معلوماً لمستحقه.

وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى في أصحاب جهنم: (وجمع فأوعى) ومرتبطة بقوله تعالى: (وإذا مسه الخير منوعاً).

أما ارتباطها لقوله تعالى: (وجمع فأوعى) فهو ظاهر، ذلك أن الله وصف أصحاب
جهنم بقوله: (تدعوا منة أدبر وتولى وجمع فأوعى) ومعنى جمع فأوعى: أنه جمع
المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: فجعله في وعاء وكنزه ومنع حق اله الواجب
فيه من مستحقيه[50] أما هؤلاء المعافون من النار، فقد جعلوا في أموالهم
حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فهم لم يمنعوا حق الله، فلم يكونوا ممن
أدبر وتولى وجمع فأوعى.

وأما ارتباطها بقوله تعالى: (وإذا مسه الخير منوعاً) فهو ظاهر أيضاً ذلك
أم معنى (وإذا مسه الخير منوعاً) أنه إذا أصابه الخير والمال والغنى بخل
ومنع حق لله تعالى فيه كما ذكرنا وهؤلاء جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً
للسائل والمحروم فهم معافون مستثنون من صفة الهلع، المذكورة بل إنهم
مستثنون من صفة الهلع بشقيها: الجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير ذلك
أم قسماً من البخلاء إذا خرج شيء من مالهم، جزعوا وحزنوا كأنما حلت بهم
مصيبة، وكان المال ألصق بقلوبهم من أي شيء آخر، هؤلاء جعلوا في أمالهم
حقاً معلوماً للسائل والمحروم، لم يجزعوا عند خروج المال منهم ولم يعقبوه
أنفسهم، ولم يمنعوا السائل والمحروم منه، فإخراج المال إلى الفقراء
والمساكين علاج وشفاء لهذا الداء الوبيل.

وهناك لمسة فنية لطيفة في اختيار نوع العذاب في هذا السياق، ذلك أنه قال: (كلا إنه لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى)

ومن معاني (الشوى) جلد الإنسان[51] فهي، أي: جهنم تنزع جلد الإنسان وتبقي
الأحشاء بلا جلد. والجلد للأحشاء بلا جلد. والجلد للأحشاء كالوعاء للمال
يحفظ ما في داخله، فإن هذا الشخص كما أوعى ماله ومنعه حقه، سيمزق الله
وعاء جسمه ويخرج ما في داخله. ولاشك أن جلده ووعاء نفسه أحب إليه من المال
ومن كل شيء، ألا ترى أنه يقال للمطلوب: (انج بجلدك)؟ فانظر التناسق الجميل
بين المعصية والعذاب، والجزاء من جنس العمل.

ثم قال بعد ذلك: (والذين يصدقون بيوم الدين)

ويوم الدين يوم القيامة، واختيار ذكر التصديق بيوم الدين دون غيره من
أركان الإيمان ههنا له سببه، ذلك أن جو السورة في الكلام على هذا اليوم،
فقد قال في أوائل السورة: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقدار
خمسين ألف سنة وهذا اليوم هو يوم القيامة)، كما جاء في الحديث الصحيح[52] .

وقال عن هذا اليوم: (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً) أي: أن الكفار
يستبعدون وقوعه ويرونه محالاً، في حين أن هؤلاء المعافين يصدقون به.

وقال: (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن).

وقال: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث
سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي
كانوا يوعدون).

فجو السورة والسياق في الكلام على يوم الدين، وختم السورة بالكلام عليه،
فكان مناسباً لأن يخصه بالذكر من بين أركان الإيمان الأخرى، فقال: (والذين
يصدقون بيوم الدين)

ثم قال: (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون).

وذكر الإشفاق من العذاب مناسب لجو السورة أيضاً، فإن السورة مشحونة بذكر
العذاب والكلام عليه فقد بدئت السورة به وختمت به، فقال في أول السورة:
(سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع)، وقال في خاتمتها: (خاشعة
أبصارهم ترهقهم ذلة) كما ذكر فيها مشهداً آخر من مشاهد العذاب، فقال: (يود
المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن
في الأرض جميعاً ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى
وجمع فأوعى).

فاختيار الإشفاق من العذاب أنسب اختيار ههنا.

ولا شك أن الذين يصدقون بيوم الدين، ويخشون عذاب ربهم مستثنون معافون من
صفة الهلع. فالتصديق بيوم الدين مدعاة للطمأنينة والأمن في النفوس، فهو
يصبر إذا مسه الشر احتساباً لأجر مما فقد أو مما ابتلي به، وإذا مسه
الخير، لا يمنع، لأن الله سيعطيه أضعاف ما يعطي.

ثم قال بعد ذلك: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت
أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)

وقد مر تفسير ذلك في آيات سورة (المؤمنون) فلا حاجة إلى إعادة ما مر.

غير أن الذي نقوله ههنا: إن هذه الآيات مرتبطة بما قبلها أجمل ارتباط وهي مع ما ذكر معها من الأوصاف منجاة من الهلع وعلاج له.

ذلك أن الذي يصبر على شهوته ولا يندفع وراء رغبته يعود نفسه على الصبر،
فلا يجزع إذا رأى ما يستثير ثم لا يهلث وراءها حتى يهتبل هذه الفرصة
للتلذذ بها.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية إن حفظ الفروج وعدم إرسالها إلا على مستحقيها، أولى من حفظ المال وكنزه ومنع مستحقه منه.

ثم قال: (والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون)

وقد مر ذلك في آيات سورة (المؤمنون)

وهذا علاج للهلع أيضاً، ذلك أن الأمانة والعهد ربما يلحقان بالمؤتمن ضرراً
من سلطة أو متنفذ، ذلك لأن صاحب الأمانة قد يكون مطلوباً لهما فالمؤتمن
كأنه يعينه على ما هو عليه أو لغير ذلك من الأسباب وقد يفوتان عليه خيراً
كبيراً، وهو مع ذلك يفي بالعهد ويؤدي الأمانة موطناً نفسه على الصبر على
ما سيحيق به محتسباً أجر ما يفوته من الخير العاجل عند الله ولا شك أنة
هذا مما يكسر الهلع ويضعفه ويعافي منه.

ثم قال: (والذين هم بشهاداتهم قائمون)

"والشهادة من حملة الأمانات وخصها من بينها، إبانة لفضلها لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها وفي زيها تضييعها وإبطالها"[53].

والقيام بالشهادة معناه: إقامتها على "ومن كانت عليه من قريب أو بعيد، أو
رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها"[54] ولا يخفون ما علموه منها.

والإتيان بها مجموعة إشارة "إلى اختلاف الشهادات وكثرة ضروبها، فحسن الجمع من جهة الاختلاف"[55].

والقيام بالشهادات من أنفع الأشياء في علاج الهلع يشقه، ذلك أن القيام
بالشهادة، قد يعرض صاحبها للأذى والنيل منه أو قد يفوت عليه فرصة من فرص
الخير المادي، والنفع العاجل، فالقيام بها توطين للنفس على استقبال الشر
والصبر عليه، وتوطين لها على السماح بالخير، وبذله وعدم منعه.

ثم قال بعد ذلك: (والذين هم على صلاتهم يحافظون)

فختم بالمحافظة على الصلاة، كما افتتح بالدوام عليها، وهذا نظير ما جاء في سورة (المؤمنون) منن الافتتاح بالصلاة والختم بها.

والمحافظة على الصلاة غير الدوام عليها: "فإن معنى الدوام هو أن لا ينشغل
عنها بشيء من الشواغل"[56] ، وأن ينهمك بها وتواظب على أدائها.

أما المحافظة عليها فتعني مراعاة شرائطها وإكمال فرائضها وسننها وأذكارها، كما سلف بيان ذلك.

وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح فهي مرتبطة بقوله: (وجمع فأوعى) ذلك أن
القصد من جعل المال في وعاء، هو المحافظة عليه والصلاة أدعى وأولى
بالمحافظة عليها.


عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 1:21 pm

ومرتبطة بصفة الهلع أيضاً ذلك أنها علاج لهذه الصفة المستهجنة بشقيها
فالمحافظة على الصلاة في مختلف الأوقات وتباين الأزمان في أوقات الرخاء
والشدة، والعسر واليسر، والمرض والعافية، والشر، والخير من المنجيات من
هذه الصفة، ذلك أن المحافظة عليها تحتاج إلى الصبر الطويل، لذلك قال
تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه]، وتحتاج إلى البذل والسماح
بالخير، وقد وصف الله تعالى رجالاً من المؤمنين بقوله: (رجال لا تلهيهم
تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة) [النور]. فالصلاة إذا حضرت أهم
من التجارة والبيع، فهم يفرطون بالصفقات واحتمال الربح في جنب الصلاة.

إن الصفات المذكورة أنفع علاج لصفة الهلع المقيت، وإن القائمين بهذه الصفات إنما هم ناجون منها مستثنون من أهلها معافون من بلواها.

ثم قال بعد ذلك: (أولئك في جنات مكرمون).

وقد تقول: ولماذا قال في آيات (المؤمنون): (أولئك هم الوارثون الذين يرثون
الفردوس هم فيها خالدون) وقال ههنا: (أولئك في جنات مكرمون)

فذكر هناك أنهم يرثون الفردوس، والفردوس أعلى الجنة وربوتها، وأفضلها،
ومنه تتفجر أنهار الجنة. وثم ذكر أنهم فيها خالدون في حين قال هنا أنهم في
جنات، ولم يقل أنهم في أعلى الجنان، كما لم يقل أنهم فيها خالدون كما قال
في الأولين.

ونظرة إلى ما في النصين توضح سبب ذلك.

إن آيات سورة (المؤمنون) في ذكر فلاح المؤمنين وآيات سورة المعارج في ذكر المعافين من الهلع وقد جعل كل صفة في مواطنها.

1ـ فقد قال في سورة (المؤمنون): (قد أفلح المؤمنون) فذكر صفة الإيمان على وجه العموم.

وقال في آية (المعارج): (والذين يصدقون بيوم الدين) فذكر ركناً من أركان الإيمان، وهو التصديق بيوم الدين وثمة فرق بين الحالين.

جاء في (روح المعاني) في قوله: (قد أفلح المؤمنون) "والمراد بالمؤمنين
قيل: إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين نبينا rمن التوحيد والنبوة،
والحشر الجسماني والجزاء ونظائرها"[57]

فذكر في آية (المؤمنون) المؤمنين بيوم الدين وغيره، وذكر في سورة المعارج التصديق بيوم الدين. فما ذكره في سورة (المؤمنون) أكمل

2ـ قال في آية (المؤمنون): (الذين هم في صلاتهم خاشعون).

وقال في آية (المعارج): (والذين هم على صلاتهم دائمون)

والخشوع أعم من الدوام ذلك أنه يشمل الدوام على الصلاة، وزيادة فهو روح
الصلاة، وهو من أفعال القلوب والجوارح من تدبر وخضوع وتذلل وسكون وإلباد
بصر وعدم التفات. والخاشع دائم على صلاته منهمك فيها حتى ينتهي.

3ـ قال في (المؤمنون): (والذين هم عن اللغو معرضون) وهو كل باطل من كلام وفعل وما توجب المروءة إطراحه كما ذكرنا.

ولم يذكر مثل ذلك في سورة المعارج، فهذه صفة فضل لم ترد في المعارج.

4ـ قال في (المؤمنون): (والذين هم للزكاة فاعلون)

وقال في سورة (المعارج): (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)

وما في سورة (المؤمنون) أعم وأشمل غذ الزكاة تشمل العبادة المالية كما
تشكل طهارة النفس فهي أعلى مما في المعارج وأكمل فإنه ذكر في المعارج أنهم
يجعلون في أموالهم حقاُ للسائل والمحروم. أما الزكاة فإنها تشمل أصنافاً
ثمانية وليس للسائل والمحروم فقط، هذا علاوة على ما فيها من طهارة النفس
وتزكيتها كما سبق تقريره.

5ـ قال في سورتي (المؤمنون) و (المعارج): (والذين هم لفروجهم حافظون إلا
على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فغنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك
فأولئك هو العادون واذلين هم لأماناتهم وعهدهم راعون).

6ـ قال في آية المعارج: (والذين هم بشهادتهم قائمون)

ولم يذكر ذلك في آيات (المؤمنون) ذلك أنه في سياق المعاناة من الهلع وقد
ذكرنا مناسبة ذلك وعلاقته بالنجاة منه. فاقتضى ذلك ذكره وتخصيصه من بين
الأمانات.

7ـ قال في آلات (المؤمنون): (والذين هم على صلاتهم يحافظون) بالجمع

وقال في (المعارج): (والذين هم على صلاتهم يحافظون) بإفراد الصلاة.

والصلوات أعم من الصلاة واشمل والمحافظة على الصلوات أعلى من المحافظة على الصلاة لما فيها من التعدد والفرائض والسنن.

فما كانت الصفات في آيات سورة (المؤمنون) أكمل وأعلى كان جزاؤهم كذلك،
فجعل لهم الفردوس ثم ذكر أنهم خالدون فيها، في حين قال في سورة (المعارج):
(أولئك في جنات مكرمون) ولم يذكر أنهم في الفردوس، ولم يذكر الخلود، فانظر
كيف ناسب كل تعبير موطنه.

ثم انظر كيف ذكر في سورة (المؤمنون) المؤمنين وهم المصدقون بيوم الدين
وزيادة، وذكر الخشوع في الصلاة، وهو الدوام عليها وزيادة، وذكر فعلهم
للزكاة وهي العبادة المالية وزيادة ومستحقوها هم السائل والمحروم وزيادة،
وذكر الإعراض عن اللغو وهو زيادة وذكر الصلوات وهي الصلاة وزيادة، ثم ذكر
الفردوس وهي الجنة وزيادة في الفضل والمرتبة، وذكر الخلود فيها وهو
والإكرام وزيادة.

فانظر ما أجمل هذا التناسب والتناسق، فسبحان الله رب العالمين.

[1] البحر المحيط: 6/395 وانظر روح المعاني 18/2 [2] روح المعاني 18/11
[3] انظر الكشاف 2/357، البحر المحيط، 6/395، التفسير الكبير 23/77 [4]
الكشاف 2/357 [5] روح المعاني 18/4 [6] انظر البحر المحيط 6/395[7] روح
المعاني 18/4[8] لسان العرب لغو 20/116 [9] الكشاف 2/375. [10] فتح القدير
3/459 [11] الكشاف 2/357 وانظر التفسير الكبير 23/79 [12] التفسير الكبير
23/77 [13] انظر القاموس المحيط هجر 2/158، الكشاف 2/365. [14] في المطبوع
لا يلهون وما أثبتناه أنسب كما هو ظاهر. [15] روح المعاني 18/4-5، وانظر
تفسير البيضاوي 451.[16] الكشاف 2/357. [17] البحر المحيط 6/395 -396 [18]
روح المعاني 18/5[19] فتح القدير 3/459 . [20] روح المعاني 18/5 [21]
البحر المحيط 6/396 [22] تفسير ابن كثير 3/459. [23] البحر المحيط 6/396
[24] فتح القدير 3/459[25] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 2/6 عن كتاب
العلاقات الجنسية غير الشرعية وعقوبتها في الشريعة والقانون لعبد الملك
السعدي 1/409. [26] الكشاف 2/357. [27] البحر المحيط 7/253 [28] انظر لسان
العرب أمن 16/161[29] لسان العرب أمن 16/162[30] لسان العرب أمن
16/164-165 [31] روح المغاني 18/11 [32] روح المعاني 29/63[33] فتح القدير
3/459[34] الكشاف 2/358 [35] روح المعاني 18/11 [36] روح العاني 18/12
[37] انظر الكشاف 2/358، البحر المحيط 6/397، تفسير البيضاوي 451، فتح
القدير 3/459، وروح المعاني 18/11. [38] فتح القدير 5/285.[39] الكشاف
2/385[40] انظر معاني النحو 1/220، 3/193 وما بعدها.[41] تفسير فتح القدير
5/285 [42] الكشاف 2/385 [43] الكشاف 3/268-269 [44] ابن كثير 4/421 [45]
فتح القدير 5/284 [46] لسان العرب جزع 9/397 [47] البحر المحيط 6/335 [48]
فتح القدير 5/284 [49] انظر الكشاف 3/269 ، فتح القدير 5/284 ، روح
المعاني 29/63 [50] انظر الكشاف 3/268، ابن كثير 4/421 [51] انظر البحر
المحيط 8/330، لسان العرب شوى 19/178[52] انظر تفسير ابن كثير 4/419،
وانظر صحيح مسلم في كتاب الزكاة.[53] الكشاف 3/269[54] فتح القدير
5/284[55] التفسير الكبير 30/131 [56] فتح القدير 5/285[57] روح المعاني
18/3
لمسات بيانية من سورة القيامة (منقول من موقع موسوعة الاعجاز)


بسم الله الرحمن الرحيم

(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ
اللَّوَّامَةِ {2} أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3}
بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ {4} بَلْ يُرِيدُ
الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ {5} يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ
الْقِيَامَةِ {6} فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ {7} وَخَسَفَ الْقَمَرُ {8}
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ {9} يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ
أَيْنَ الْمَفَرُّ {10} كَلَّا لَا وَزَرَ {11} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ
الْمُسْتَقَرُّ {12} يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ
وَأَخَّرَ {13} بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ {14} وَلَوْ
أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ {15} لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
{16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ {19} كَلَّا
بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ {20} وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ {21} وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} وَوُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ {24} تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ {25}
كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ {26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ {27} وَظَنَّ
أَنَّهُ الْفِرَاقُ {28} وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ {29} إِلَى
رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ {30} فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى{31
وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى {32} ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى
{33} أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {34} ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {35}
أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى {36} أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً
مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى {37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى {38}
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {39} أَلَيْسَ
ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى {40}‏

سألني ولدي ذات يوم: ما مناسبة قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل له)
لما قبله وهو قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)

فقلت له: دعني أنظر في أول السورة، لعلي أجد مفتاح الجواب فقرأت: (بسم
الله الرحمن الرحيم: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة).

فقلت له: المناسبة ظاهرة، وهي أن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، وأقسم
بالنفس اللوامة، ومن أبرز سمات النفس اللوامة أن تعجل في الأمر، ثم يندم
عليه، فتبدأ بلوم نفسها على ما فعلت وهو في الآيات التي ذكرتها ذكر النفس،
فقال (بل الإنسان على نفسه بصيرة) وذكر العجلة فقال: (لتعجل به) فالمناسبة
ظاهرة.

ثم بدأن اقرأ السورة متأملاً فيها فوجدت من دقائق الفن والتناسب والتناسق
ما يدعو إلى العجب فآثرت أن أدون شيئاً من هذه اللمسات الفنية.

لقد ذكر المفسرون مناسبة هذه السورة لما قبلها أعني سورة (المدثر)
وارتباطها بها. فقد قالوا: إنه سبحانه قال في آخر سورة المدثر: (كلا بل
يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة) وفيها كثير من أحوال القيامة "فذكر هنا يوم
القيامة وجملاً من أحوالها"[1] فكان بينهما مناسبة ظاهرة.

إن هذه السورة قطعة فنية مترابطة متناسقة محكمة النسج، وليس صواباً ما جاء
في (الإتقان) أن "من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها، من ذلك قوله
تعالى في سورة القيامة: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) فإن وجه مناسبتها
لأول السورة وآخرها عسر جداً"[2]

إن ترابط آيات هذه السورة ترابط محكم وتناسبها فيما بينها لا يخفى على المتأمل.

لقد أقسم الله سبحانه بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة على رأي
الأكثرين، أو أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة على رأي آخرين
وسر هذا الاختلاف، أن ثمة قراءة بإثبات القسم بيوم القيامة أي (لأقسم) إلا
أنهم اتفقوا على إثبات حرف النفي مع النفس اللوامة فكلهم قرأ(ولا أقسم
بالنفس اللوامة)[3]

ولا نريد أن نطيل الكلام على اقتران فعل القسم بـ (لا) ودواعيه فقد تكلم
فيه المفسرون والنجاة بما فيه الكفاية والذي نريد أن نقوله ههنا: إن كل
أفعال القسم المسندة إلى الله في القرآن الكريم مسبوقة بـ (لا) إذ ليس في
القرآن الكريم (أقسم) بل كلها (لا أقسم)، وذلك نحو قوله تعالى: (فلا أقسم
بمواقع النجوم) [الواقعة] وقوله: (فلا أقسم بالشفق) [الإنشقاق]، وقوله:
(لا أقسم بهذا البلد) [البلد] وما إلى ذلك فليس القسم ههنا بدعاً من
التعبير. وباختصار كبير نرجح أن هذا التعبير إنما هو "لون من ألوان
الأساليب في العربية تخبر صاحبك عن أمكر يجهله أو ينكره، وقد يحتاج إلى
قسم لتوكيده، لكنك تقول له: لا داعي أن أحلف لك على هذا، أو لا أريد أن
أحلف لم أن ألأمر على هذه الحال، ونحوه مستعمل في الدراجة عندنا نقول: ما
أحلف لك أن ألأمر كيت وكيت. أو ما أحلف لك بالله لأن الحلف بالله عظيم، إن
الأمر على غير ما تظن فأنت تخبره بالأمر، وتقول له: لا داعي للحلف
بالمعظمات على هذا الأمر"[4]

أو كما ذهبت إليه الدكتورة بنت الشاطئ، وهو أن القصد من ذلك هو التأكيد
"والتأكيد عن طريق النفي، ليس بغريب عن مألوف استعمالنا، فأنت تقول
لصاحبك: لا أوصيك بفلان تأكيداً للوصية ومبالغة في الاهتمام بها، كما
تقول: لن ألح عليك في زيارتنا فتبلغ بالنفي ما لا تبلغه بالطلب المباشر
الصريح"[5].

ومهما كان الرأي في دخول (لا) على فعل القسم، فإن هذا لا يغير شيئاً من
أصل المسألة، وهي أنه ابتدأ السورة بالقسم بيوم القيامة والنفس اللوامة
نفياً أو إثباتاً. وقد حاول المفسرون أن يجدوا المناسبة لاجتماعهما في
القسم فقالوا: "المقصود من إقامة القيامة، إظهار أحوال النفوس اللوامة،
أعني سعادتها وشقاوتها، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة
الشديدة"[6] .

وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء
وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ولما كان معادها هو محل
ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه، قرن بينهما في الذكر[7]

إن السورة مبنية على ما ابتدأت به من القسم، فهي مبنية على أحوال يوم القيامة، وعلى النفس، ولا تكاد تخرج عن ذلك.

هذا أمر والأمر الآخر أنه تعالى لم يقسم بالنفس على صفة الإطلاق، بل أقسم
بنفس مخصوصة، وهي النفس اللوامة، وهذا له طابعه الواضح في السورة كما
سنبين.


عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 1:25 pm

إن الإنسان يلوم نفسه لأحد سببين:

إما أن يتعجل فيفعل ما لا ينبغي له فعله، فيندم على ذلك فيبدأ يلوم نفسه، لم فعلت ذاك؟ لم لم أترو؟

وإما أن يتراخى عن فعل كان الأولى له أن يفعله، وأن يغتنم الفرصة التي
سنحت له، ولكنه قعد عن ذلك مسوفاً، ففاته نفع كبير، وقد لا تسنح له فرصة،
كالتي فاتت، فيبدأ يلوم نفسه. لم تباطأت، لم لم أفعل؟ لم لم أغتنم الفرصة؟
ونحو ذلك.

والسورة مطبوعة أيضاً بهذين الطابعين من صفات النفس اللوامة، طابع العجلة
التي تدعو إلى الندم واللوم، وطابع التباطؤ وتفويت الفرص الذي يؤدي إلى
الندم واللوم أيضاً.

فالسورة مبنية إذن على ما ابتدأت به.

يوم القيامة، والنفس اللوامة في حيالها: العجلة والتباطؤ.

أما يوم القيامة، فقد تكررت أحواله في السورة في تناسق لطيف، إلى أي ختمت
بقوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى) فتناسب بدء السورة مع خاتمتها.

ثم قال بعد القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة:

(أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) فعاد إلى القيامة.

والملاحظ في هذا التعبير أنه جمع بين نفس الإنسان ويوم القيامة أيضاً كما
ابتدأت السورة فقال: (أيحسب الإنسان) أي: أيظن ذلك في نفسه؟ لحسبان أمر
نفسي داخلي، ولم يقل مثلاً: (لنجمعنك إلى يوم القيامة) أو لتبعثن) ونحو
ذلك فجمع بينهما في تناسق لطيف مع بداية السورة، وهو احتيار فني رفيع.

ومن الملاحظ أننا لا نجد جواباً للقسم الذي ابتدأت به السورة، وإنما نجد
ما يدل عليه وهو هذه الآية. فجواب القسم محذوف ويقدره النحاة (لتبعثن)[8].

وهذا الحذف يتناسب هو والعجلة التي دلت عليه النفس اللوامة وجوها ـ أعني جو العجلة ـ الذي طبعت به السورة.

ومن الملاحظات الأخرى في هذه الآية، أنها مرتبطة بما ورد في آخر السورة
وهو قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) أجمل ارتباط حتى كأنهما آيتان
متتابعتان تأخذ إحداهما بحجز الأخرى.

ثم قال بعدها:

(بلى قادرين على أن نسوى بنانه).

إن هذه الآية تتناسب هي ما ورد في آخر السورة من قوله تعالى: (فخلق فسوى)
إلا أن هذه تسوية مخصوصة بالبنان وتلك تسوية عامة. وكل آية موضوعة في
مكانها المناسب فآية (نسوى بنانه) مرتبطة بقوله: (نجمع عظامه) فإن البنان
عظام، فناسب ذلك بأن يكون بجنب (نجمع عظامه) أما الآية الأخر وهي (فخلق
فسوى) فهي مرتبطة بالخلق العام للإنسان، فناسب ذلك الإطلاق والعموم فناسب
كل آية موضعها.

وملاحظة أخرى في هذا التعبير، وهي أنه حذف منه عامل الحال، فقال: (بلى
قادرين) ولم يذكر عامله، ولم يذكر عامله، ويقدره النحاة بقولهم: (بلى
نجمعها قادرين[9] وهذا الحذف يتناسب أيضاً والعجلة التي دلت عليها النفس
اللوامة.

ثم قال بعد ذلك: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه).

ومعنى الآية أن الإنسان يريد المداومة على شهواته ومعاصيه، ويقدم الذنب ويؤخر التوبة.

جاء في (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: (ليفجر أمامه) "ليدوم على فجوره
فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد
بن جبير ـ رضي الله عنه ـ يقدم الذنب ويؤخر التوبة، يقول: سوف أتوب، سوف
أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله"[10].

وجاء في (البحر المحيط): " إن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه، ويمضي
فيها أبداً قدماً راكباً رأسه مطيعاً أمله ومسوفاً بتوبته"([11]).

وارتباط الآية بالنفس اللوامة واضح، فإن الإنسان ههنا يسوف التوبة،
يتباطاً عنها ويغره الأمل حتى يموت، فيدركه الندم ويقع تحت مطرقة اللوم.

وانظر بعد ذلك كيف جاء باللام الزائدة المؤكدة في مفعول الإرادة، فقال:
(بل يريد الإنسان ليفجر) والأصل أن يقال: (بل يريد الإنسان أن يفجر) لأن
فعل الإرادة متعد بنفسه لا باللام كما قال: (يريد الله أن يخفف عنكم)
[النساء] غير أنه جاء باللام للدلالة على قوة إرادة الفجور والشهوات عند
الإنسان وشدة الرغبة فيها. وهذه مدعاة إلى الندم البالغ، وكثرة لوم
الإنسان لنفسه، فارتبط ذلك أحسن ارتباط بالنفس اللوامة.

ثم انظر كيف أنه لما بالغ في إرادة للفجور والرغبة فيه، بالغ في اللوم
فجاء بصيغة المبالغة، فقال: (اللوامة) ولم يقل (اللائمة) للدلالة على كثرة
اللوم، فانظر المناسبة بين المبالغة في الفجور والمبالغة في اللوم، وكيف
أنه لما بالغ في أحدهما بالغ في الآخر.

ثم قال بعد ذلك:

(يسأل أيان يوم القيامة)

وهذا "سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة"[12] وقد جاء بأداة الاستفهام
(أيان) التي تدل على شدة الاستبعاد وهذا المتعنت المستبعد لقيام الساعة هو
الذي يقدم الفجور والمعصية ويؤخر التوبة، وهو المذكور في الآية السابقة.

وقال بعد ذلك: (فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر) .

وهذه الآيات كأنها جواب السائل عن موعد القيامة المستبعد لوقوعها. وقد بدأ
التعبير بـ (إذا) الدالة على الزمان لأن السائل إنما سأل عن زمنها
وموعدها، فكان الجواب بالزمان كما كان السؤال عن الزمان.

ومعنى: (برق البصر) دهش فلم يبصر، وقيل: تحير فلم يطرف، وبرق بصره، أي: ضعف[13].

وذكر البصر مع ذكر الشمس والقمر له سببه ومناسبته، فإن البصر يعمل مع وجود
الشمس والقمر، أي: مع النور، فإذا لم يكن ثمة نور فلا يعمل شيئاً كما قال
تعالى: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) [البقرة].

وفي هذا اليوم قد تعطل البصر كما تعطل الشمس والقمر، فالبصر برق، والقمر خسف، وجمع الشمس والقمر.

ثم انظر كيف قال: (برق البصر) ولم يقل (عمي) أو نحو ذلك، فإن المراد
تعطيله مع وجوده، كما فعل بالشمس والقمر، فإنه لم يزلهما ويذهبهما، وإنما
عطلهما فهو تناسب لطيف.

ثم انظر كيف قال: (وجمع الشمس والقمر) إشارة إلى تعطيل الحياة الرتيبة إن
استمرار الشمس والقمر على حالهما دليل على استمرار الحياة والدنيا إنما هي
أيام وليال، وآية النهار الشمس وآية الليل القمر، فجمعهما معاً دليل على
تعطيل الحياة التي كان يردوها مسوفو التوبة، والمغترون بالأمل والذين
يقدمون الفجور ممن تقدم ذكرهم بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) ثم
انظر بعد علاقة ذلك بالنفس اللوامة التي كانت تقدم الفجور، وتغتر بالدنيا
ففاجأها ما يستدعي كثرة اللوم.

ثم انظر مناسبة ذلك للقسم بـ (يوم القيامة)، و(اليوم) يستعمل في أحد
مدلوليه لمجموع الليل والنهار فناسب ذلك ذكر الشمس والقمر، إذ هما دليلاً
اليوم وآيتاه في الدنيا، أما يوم القيامة هذا فهو يوم لا يتعاقب فيه الشمس
بالقمر، بل يجمعان فيه فلا يكون بعد ليل ونهار بل هو يوم متصل طويل.

وفي هذا اليوم يطلب الإنسان الفرار، ولكن إلى أين؟

ويبقى السؤال بلا جواب ثم يجيب رب العزة بقوله: (كلا لا وزر) والوزر
الملجأ، فلا ملجأ يفر إليه الإنسان ويحتمي به وإنما (إلى ربك يومئذ
المستقر) والفار يطلب ملجأ يأوي إليه ويعتصم به ويطلب الاستقرار ولكن لا
استقرار إلا إلى الله، فإليه وحده المستقر.

وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر والاختصاص، فليس ثمة مستقر إلى سواه. وهذا التقديم يقتضيه الكلام من جهتين:

من جهة المعنى وهو الاختصاص والقصر، وتقتضيه فاصلة الآية أيضاً.

وتقديم (يومئذ) كذلك يقتضيه الكلام من هاتين الجهتين أيضاً. فالمستقر في
ذلك اليوم خاصة إلى الله سبحانه، أما في الدنيا فالإنسان قد يجد مستقراً
يأوي إليه ويستقر فيه، أما في ذلك اليوم، فلا مستقر لا إلى الله.

وتقديم (إلى ربك) على (يومئذ) له سببه أيضاً ذلك أن الإنسان في تلك
الحالة، يبحث عن مكان يفر إليه ويستقر منه، فقدم له ما يبحث عنه، وقال له:
(إلى ربك يومئذ المستقر) لأنه هو الأهم، وهو المقصود.

واختيار كلمة (رب) ههنا اختيار مقصود، فالرب هو المالك والسيد والمدبر والمربي والقيم والمنعم. ورب كل شيء مالكه ومستحقه[14].

والفار إلى من يلتجئ؟ هل يلتجئ إلا إلى سيده ومالكه وصاحب نعمته ومدبر أمره والقيم عليه؟

فهو وزره وإليه مستقره، فهل ترى أنسب من كلمة (رب) ههنا؟

ثم إن اختيار كلمة (مستقر) اختيار دقيق محكم أيضاً، ذلك أن هذه الكلمة تدل
على المصدر بمعنى الاستقرار، وتدل على اسم المكان بمعنى مكان الاستقرار،
وتدل على اسم الزمان، بمعنى زمان الاستقرار.

وهي هنا تفيد هذه المعاني كلها، فهي تفيد (الاستقرار)، أي: إلى فك
الاستقرار، وتفيد موضع الاستقرار وهو الجنة والنار أي إلى ذلك إلى هيئته
تعالى.

جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (إلى ريك يومئذ المستقر): "إلى ربك خاصة
(يومئذ) مستقر العباد، أي: استقرارهم، يعني أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى
غيره وينصبوا إليه. أو على حكمة ترجع أمور العباد لا يحكم عليه غير كقوله:
(لمن الملك اليوم) أو إلى ربك مستقرهم، أي: موضع فرارهم من جنة أو
نار"[15].

وجاء في(البحر المحيط): "المستقر، أي: الاستقرار أو موضع استقرار من جنة
أو نار إلى مشيئته تعالى، يدخل من شاء الجنة، ويدخل من شاء النار بما قدم
وأخر"[16].

وتفيد زمان الاستقرار أيضاً، أي أن وقت الفصل بين الخلائق، وسوقهم على
مستقرهم عائد إلى مشيئته تعالى. فهم يمكثون في ذلك اليوم ما يشاء الله أن
يمكثوا، ثم هو يحكم بوقت ذهابهم إلى مواطن استقرارهم، فكلمة (مستقر) أفادت
ثلاث معان مجتمعة علاوة على ما تقتضيه الفاصلة في نهاية الآيات. ولا تغنى
كلمة أخرى عنها، فلو أبدلت بها (الاستقرار) ما أدت تلك المعاني، فهي أنسب
كلمة في هذا الموضع.

ثم قال بعد ذلك: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر).

والمعنى أن الإنسان ينبأ بما قدم من عمل خير أو شر، وبما أخر من عمل كان عليه أن يعمله، فلم يعمله.

وهذه الآية متناسبة مع ذكر النفس اللوامة، في أول السورة في حالتيها اللتين تدعوان إلى اللوم.

أن تفعل فعلاً ما كان ينبغي لها أن تفعله، فتلوم نفسها عليه، وهذا يدخل فيما قدم.

أو تقعد عن عمل كان ينبغي لها أن تعمله، فلم تعمله وهو يدخل فيما أخر.

ثم قال بعدها: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).

بعد أن أخبر عن أحوال يوم القيامة فيما تقدم، عاد إلى النفس مرة أخرى. وهو
اقتران يذكرنا بالاقتران بين يوم القيامة والنفس اللوامة في مفتتح السورة.

والمعنى: أن الإنسان يعرف حقيقة نفسه، ولو جاء بالحجج والأعذار.

وقال بعدها: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقراءنه فإذا قرأنه فاتبع قراءنه ثم إن علينا بيانه).

وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها، أن الحجج والمعاذير إنما تلقى باللسان فارتبطت بقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به).

والضمير في (به) يعود على القرآن، ولم يجر له ذكر، وهو مفهوم من المعنى
"وكان رسول الله eإذا لقن الوحي، نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن
يتمها مسارعةً إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت إليه
ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضي إليه وحيه… (لتعجل به) لتأخذه على عجلة
ولئلا يتفلت منك"[17].

وأما قوله: (لتعجل به) فهو تعليل لتحريك اللسان، فالعجلة علة له هذا e.

إن العجلة المذكورة هنا تتناسب مع جو العجلة في السورة، ثم إن ذكر سير
القرآن من دون أن يجري له ذكر اختصار وإيجاز في الكلام مناسب لجو مجلة
هذه، فقد تعاون كل من التعبير والتعليل لبيان هذا الغرض.

وقال بعدها: (إن علينا جمعه وقرآنه)

الملاحظ في هذا التعبير أنه قدم الجار والمجرور على الاسم، وذلك لاختصاص
والقصر والمعنى أننا نحن المتكلفون بجمعه في صدرك تلاوته للناس صحيحاً
كاملاً وهذا مواطن من مواطن القصر، لأنه لا يمكن لأحد غير الله أن يفعل
ذلك، فإن تثبيت النصوص في النفس وحفظها لمجرد سماعها وعدم نسيانها،
وإلقاءها كما هي على مر الزمن، إنما هو من فعل الله وحده فهو الذي يثبت في
النفوس أو يمحو منها ما يشاء. إذن فإن ذلك عليه وحده وهذا التقديم اقتضاه
المعنى كما اقتضته الفاصلة.

ولو أخر الجار والمجرور لأخل بالمعنى، ذلك أنه يقتضي عدم القصر ومعنى ذلك
أنه يخبر بأنه متكفل بجمع القرآن في صدره، وليس المتكفل الوحيد وذلك كما
تقول: (يشرح خالد لك هذا الأمر) فإنك ذكرت أن خالداً يشرح له الأمر ولم
تفد أن خالداً يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد غيره ولو قال: (لك يشرح خالد هذا
الأمر) لأفاد أنه يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد آخر. فتقديم الجار والمجرور
على عامله يفيد القصر غالباً.

وهذا موطن قصر، إذ لا يمكن أن يفعل ذلك غير الله تعالى، أعني التكفل بتثبيت القرآن في النفس بمجرد سماعه.

وإدخال (إن) يقتضيه المعنى أيضاً في أكثر من جهة:

من ذلك أنها تفيد التعليل كما في قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن
لهم) [التوبة] فهنا أفادت التعليل وبينت سبب النهي عن تحريك اللسان فقد
قال: لا تحرك به لسانك، لأن جمعه في صدرك نحن نتكفل به. ولو لم يدخل (إن)
لم يرتبط الكلام ولا نتفى معنى التعليل إذ لو قال: (لا تحرك به لسامك
لتعجل به علينا جمعه وقرآنه) لم تجد له هذا الحسن الذي تجد، ولا نفصل
الكلام بعضه عن بعض فـ (إن) ربطت الكلام بعضه ببعض وأفادت التعليل.

ومن ذلك أنها تفيد التوكيد، وهذا الموطن يقتضي التوكيد إذ إن حفظ الإنسان
لكل ما يلقى إليه بمجرد سماعه أمر غريب والتكفل به يحتاج إلى توكيد ولذا
جاء بـ (إن) المؤكدة.

وقال بعد ذلك: (فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)

ومعنى: (فاتبع قرآنه) أي: اتبعه بذهنك وفكرك، أي: فاستمع له[18].

والإسناد إلى ضمير الجمع هنا له دلالة إضافة إلى التعظيم الذي يفيده من الجمع ذلك أن القارئ هو جبريل، وليس الله.

جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: (فإذا قرآنه فاتبع قرآنه) "جعل
قراءة جبريل عليه السلام قراءته… ونظيره في حق محمد عليه الصلاة والسلام
(من يطع الرسول فقد أطاع الله) [19]. وجاء في (البحر المحيط): فإذا
قرأناه، أي: الملك المبلغ عنا"[20].

وكذلك المبين في قوله تعالى: (ثم إن علينا بيانه) فالذي يبين للرسول يوضح
هو الملك، فهو يقرأ بأمر الله ويبين بأمر الله فالأمر مشترك. الله هو
الملك يبلغ، ولذا عبر بأسلوب الجمع، والله أعلم، وأظن أن الفرق موضح بين
قوله: (فإذا قرآنه فاتبع قرآنه) والقول: (فإذا قرأته فاتبع قرآنه).

والقول في التقديم في (ثم إن علينا) هو في الآية قبلها. فإن تقديم الجار
والمجرور يفيد الاختصاص أيضاً ذلك أن تبين ما أشكل منه مختص تعالى.

وقال بعد ذلك: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة)

والعاجلة يؤثرها بنو آدم على وجه العموم، ويقدمونها على الآخرة وارتباطها
بما قبلها وهو قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) ظاهر فكلتاهما في
العجلة وإيثارها، فالرسول eكان ينازع جبريل القراءة ولا يصبر حتى يتمها
ليأخذه على عجل، والناس على وجه العموم يؤثرون العاجلة على الآخرة، فهو
طبع عام في البشر خلقوا عليه كما قال تعالى: (خلق الإنسان من عجل)
[الأنبياء] فالموضوع إذن موضوع واحد هو العجلة.

وكلاهما يتعجل ما هو أثير لديه ومفضل عنده.

جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة)، كأنه قال: بل
أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم
تحبون العاجلة: (وتذرون الآخرة)… فإن قلت: كيف اتصل قوله: (لا تحرك به
لسانك) إلى آخره بذكر القيامة؟ قلت: اتصاله به من جهة التخلص منه إلى هذا
التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة[21].

وجاء في (روح المعاني) في هذه الآية: "كلا بل تحبون العاجلة وتذرون
الآخرة) تعميم الخطاب للكل كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل
وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ويتضمن
استعجالك، لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة… ومنه يعلم أن هذا
متصل بقوله سبحانه: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإن ملوح إلى معنى: بل
تحبون الخ"[22].

إن هذه الآية كما هو واضح مناسبة لجو العجلة التي بنيت عليها السورة، وهي
متصلة ـ كما مر بنا ـ بقوله تعالى: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإن
الإنسان يسوف بتوبته ويغره أمله ويؤثر ما بين يديه ويغمس نفسه في شهواته،
ويستحب عاجل حياته ولا ينظر فيما وراء ذلك من أمور الآخرة، فهي متصلة بما
قبلها وبقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) أتم اتصال.

كما أنها متصلة بالنفس اللوامة التي بنيت عليها السورة اتصالاً ظاهراً بالنفس اللوامة كما ذكرنا تلوم نفسها لأحد سببين:


عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج

مُساهمة  عادل التونى في الخميس مايو 29, 2008 1:26 pm

وقصم. أما القول: (أن تصيبها) أو (تحل بها) فكأن ذلك متروك للمصادفات
والظروف، فقد تكون الفاقرة عظيمة أو هينة والفواقر بعضها أدهى من بعض.
فقوله: (أن يفعل بها) أنسب اختيار في هذا السياق إذ لا تترك ذلك للمصادفات
والموافقات، بل كان ذلك بقدر.

ثم إنه لم يقل: (أن نفعل بها) بإسناد الفعل إلى ذاته العلية، لأنه لم يرد
أن ينسب إيقاع هذه الكارثة والشر المستطير إلى نفسه كما هو شأن كثير من
التعبيرات التي لا ينسب الله فيها السوء إلى ذاته العلية نحو قوله: (وأنا
لا ندري أشر اريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) [الجن] وقوله (وإذا
أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا) [الإسراء]
فلم ينسب الشر إلى ذاته.

ثم قال بعدها: (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق)

"والضمير في (بلغت) للنفس وإن لم يجر لها ذكر"[27]. وعدم ذكر الفاعل ولا
ما يدل عليه مناسب لجو العجلة الذي بنيت عليه السورة. ونحوه ما مر في حذف
جواب القسم في أول السورة، وحذف عامل الحال (قادرين) وعدم ذكر ما جرى عليه
الضمير في قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) وغيره مما سنشير إليه.

(وقيل من راق) وحذف الفاعل وإبهامه في (قيل) مناسب لإضماره وعدم ذكره في
(بلغت التراقي) كلاهما لم يجر له ذكر، وكذلك الإبهام في (راق) مناسب لسياق
الإبهام هذا، فإن كلمة (راق) مشتركة في كونها اسم فاعل للفعل (رقي يرقي)
وهو الذي يقرأ الرقية على المريض ليشفى، وفي كونها اسم فاعل للفعل (رقي
يرقى) بمعنى (صعد) ومنه قوله تعالى: (أو ترقى في السماء) [الإسراء].

الإثبات الصريح: وهو قوله: (بلى قادرين).

والإثبات على طريق التقرير (أليس ذلك بقادر).

وإحداهما بحرف الجواب هو: (بلى)، والأخرى بحرف السؤال وهو الهمزة: (أليس ذلك).

15ـ وذكر نوعين من التسوية:

تسوية جزئية مقيدة وهي تسوية البنان وهو قوله: (نسوي بنانه).

وتسوية عامة مطلقة وهو قوله: (فخلق فسوى).

16ـ وذكر طورين من أطوار خلق الإنسان، وهما النطفة والعلقة.

17ـ وذكر الجنسين وهما الذكر الأنثى: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى).

18ـ وذكر طريقتين من التعبير عن الله.

التعبير بالجمع (بلى قادرين) و(نجمع) و(نسوي).

والتعبير بالإفراد وذلك نحو قوله: (فخلق فسوى).

إلى غير ذلك من مظاهر الازدواج.

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى