فيكتور هوجو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيكتور هوجو

مُساهمة  عادل التونى في الأربعاء يوليو 02, 2008 9:32 pm

الشعراء أيضا قادة الشعوب

فيكتور هوغو الإنسان والشاعر والسياسي



حسونة المصباحي

عن فيكتور هوغو، كتب الشاعر الفرنسى الكبير ليون بول فارغ يقول: "هوغو هو الجرس الكبير للكاتدرائية الرومانسية، وهو الناقوس. وقد ابتكر، وخلق، وحطّم بعض الجدران، وفتح ثقوبا فى بعض السقوف. وقوته الشّعرية الهائلة سوف تمكن فرسان الفن المرعب والغامض من أن يتقدموا خطوات إلى الأمام فى هذا المجال الذى لا تزال الأعمال الفنية العظيمة التى تنتمى إليه، مؤثرة إلى حد هذه الساعة.

حوله، وبعده، لم يعش الشعراء من مختلف المستويات، ومن مختلف الايقاعات والاشظيات، النغم الصادر من هذا البوق. إن هوغو هو اللوحة الكهربائية للشعر الحديث. بكل ما فيه من ايقاءات وأنواع. ولوتريامون نجده فى "عمال البحر"، وفى "الرجل الذى يضحك"، وهما كتابان بديعان جعلا فى مؤلفهما "جيل فان" القرن العشرين.

إنه – أى هوغو – أب بانفيل "Banville" وخال ادمون روستان "Edmond- Rostand". غير أن جميع أشكال ما نحن نسميه بـ "الطلائعية"، وليس فى فرنسا وحدها، موجود فى ايقاعاته. وحتى يومنا هذا، لا تزال أبياته الشعرية، وصرخاته، وانفعالاته، وابتساماته تعمل فى صمت المكتبات، وفى حجر القبور، مثل الخمور والمعادن، وهو يغذّى بالفيتامينات، كل أولئك الذين لا يوحى لهم بياض الورق بأيّ شيء".

وكانت فرنسا قد احتفلت عام 2002 بمرور قرنين على ميلاد فيكتور هوغو. وعلى مدى السّنة المذكورة، انتظمت فى العاصمة باريس، وفى مختلف المدن الفرنسية الأخرى تظاهرات فنيّة وشعريّة وأدبيّة عكست مسيرة الشاعر والكاتب العبقرى الذى اخترق القرن التاسع عشر من أوّله إلى آخره، مجسّدا طموحاته وآماله وأحلامه، عاكسا عثراته، وتقلباته، وأزماته، وفواجعه، ممجّدا التقدّم الصّناعى والتّكنولوجي، مدافعا عن الجمهوريّة، وعن قوانينها، مساندا المرأة فى نضالها من أجل التحرّر والمساواة مع الرجل، داعيا إلى ضرورة تجديد برامج التعليم ومناهجه، منتقدا بشدّة قوانين الإعدام والشنق، محّرضا على انتهاج سياسة عادلة وانسانيّة تجاه المحرومين والمقهورين والمعذّبين فى الأرض. لذا يمكن القول إن فيكتور هوغو كان مثل كل العظماء متعدّد المواهب والخصال والقدرات. فهو شاعر من طراز رفيع، وروائى بديع الأسلوب واللغة، وكاتب مسرحى مرموق وفنان موهوب، ومجادل قوى الشكيمة والحجة، وسياسى مستنير لا يخشى المنافى والسجون إذا ما كان الأمر يتعلق بالدفاع عن أفكاره وآرائه. إنه "الرّجل – المحيط" كما قيل عنه ذات يوم.

وهو أيضا "الرجل الذى نتعرّف من خلاله على القيم التى قامت عليها الجمهورية الفرنسيّة ذلك أن المعارك والنضالات السياسية والاجتماعية التى خاضها خلال القرن التاسع عشر، وايضا التّحديات الجماليّة والفنيّة التى كان أحد صانعيها الكبار، تعكس بالضرورة مغامرات عصرنا وتساؤلاته".

ولعل فيكتور هوغو أراد أن يصف نفسه عندما كتب يقول فى إحدى قصائده:
ذات يوم، واقفا، رأيت على ضفاف الأمواج المضطربة، سفينة سريعة تمرّ، نافخة أشرعتها، تلفّها الرياح والأمواج والنجوم
ثم سمعت، وأنا منحن على هوّة السماوات
التى تلمسها الهوة الأخرى
صوتا لم تتمكن عيناى من النظر إلى فمه
يهمس لي:
"أيها الشاعر، لقد أفلحت!
أيها الشاعر ذو الجبين الحزين،
أنت تحلم بالقرب من اليم
وتجذب من البحار أشياء كثيرة ثمينة
مخفية تحت الأمواج!
البحر، هو الربّ الذى يسميه ويظهره
كل مصير، فى وقت الشقاء أو السعادة
الريح هى الربّ، الكوكب هو الربّ،
والسفينة هى الإنسان"
وقد يكون هوغو وصف نفسه عندما كتب يقول واصفا شكسبير:
بنظرته الثابتة هو يتأمل الجموع،
وكل الغابة ترتج أمامه
شاحبا يمشي، وداخل نفسه هو منبهر ومفتون
يمشى حفولا، متوحشا، ومثل لبدة،
يهزّ فوق رأسه كمامة من الضوء
رأسه الشفاف مليء بالأرواح وبالأجساد،
وبالأحلام، التى نرى نورها من الخارج
العالم كله يمرّ من خلال غرباله
وبقبضته الرهيبة هو يمسك بكل الحياة
ومن الانسان هو يستخرج زفيرا فوق طاقة البشر


فى سنوات مراهقته، كتب فيكتور هوغو المولود فى مدينة "بوزت سون" عام 1802، فى يومياته يقول: "أريد أن أكون شاتوبريان أو لا شيء!" فى ما بعد سوف يقتدى به رامبو، ويكتب: "أريد أن أكون فيكتور هوغو أو لا شيء!" وإذا ما كان الأول قد حقق ما كان يطمح إليه وأزيد من ذلك، فإن الثانى انصرف مبكرا عن مطمحه، مفضلا تجارة التوابل والقهوة فى أثيوبيا واليمن، غير أن القليل الذى تركه من الشعر، كان كفيلا بأن يضعه فى المقام الأول، إلى جانب فيكتور هوغو.

مطلع العام 1809، استقرت صوفي، والدة فيكتور هوغو التى انفصلت عن زوجها فى باريس بصحبة أبنائها. وكان أهم حدث عاشه صاحب "البؤساء" وهو صبي، تلك الرحلة الرائعة التى قامت بها عائلته إلى اسبانيا عام 1811 والتى تركت فى نفسه خواطر لم ينسها أبدا. ولفترة طويلة سوف تظل ماثلة فى ذهنه جبال البيرينى المكسوة بالثلوج، ولوحات متحف "البرادو" والجنود الذين يلعبون الدومينو فى قاعات قصر "ماسيرانود الفسيحة". عند عودة العائلة إلى باريس، عاش الطفل فيكتور هوغو حدثا مأساويا هذه المرة. فقد تم اعدام لاهورى عشيق والدته بسبب مساهمته فى محاولة انقلابية دبّرها الجنرال ماليه ضد نابليون بونابرت.

وبسبب الخصومات المتواصلة بين والدته ووالده، وضع فيكتور هوغو فى مبيت داخلى فى باريس فتعلّم اللغة اللاتينية بسرعة، وأصبح قادرا على أن يترجم إلى لغته الأم، شعراء كبارا من أمثال هوراس وفيرجيل وتاسيت وسيسرون. كما أنه درس الرياضيات والهندسة والرسم.

وفى المبيت الداخلى أيضا، مشجعا من طرف أحد أساتذته، كتب فيكتور هوغو أولى نصوصه متمثلة فى مسرحيتين: "جنهم على الأرض" و"قصر الشيطان". ورغم أنه التحق بكلية الحقوق اثر حصوله على شهادة الباكلوريا، فإن فيكتور هوغو ظلّ متعلقا بالأدب تعلقا كبيرا. وقد أحرز نصه الشعرى حول موت الدوق بيرى الذى اغتيل أمام قصر "الأوبرا" يوم 13 فبراير/ شباط 1820 على جائزة ملكية قيمتها 500 فرنك. ويقال أن شاتوبريان وصفه عند قراءته للنص المذكور بـ"الفتى العظيم".

بين العام 1819 و1821 أشرف فيكتور هوغو على رئاسة تحرير مجلة أدبية اختار لها اسم: "الحافظ الأدبي" وفيها نشر العديد من النصوص التى تعكس أفكاره السّياسية المحافظة الموالية للنّظام الملكي، وأيضا نصوصا نقديّة عن شعراء عصره من أمثال اندريه شينييه ولامرتين. وفى هذه الفترة أحب فتاة جميلة تدعى ادال وكتب لها فى أول ربيع العام 1820 يقول: "علينا أن نتزوج غدا، وسأقتل نفسى بعد غد وسوف تكونين أنت أرملتي. يوم من السعادة أفضل من حياة مأساوية طويلة".

الآن بلغ فيكتور هوغو سن الثانية والعشرين. هو أنيق ووسيم ويتمتع بالصحة والعافية. تنضاف إلى كل هذا، زوجة جميلة وروح نقيّة وعبقريّة بدأت ملامحها شيئا فشيئا، خصوصا فى مجال الشعر. وها هو يكتب إلى لامرتين بتاريخ 18 يونيو/حزيران 1823 قائلا: "اكتب ولكن غنّ خصوصا! حين نكون قد تغذينا برحيق الشعر، فإن خبز النثر الرخيص لن يكون كافيا للفكر".

بعد كتابته لهذه الرسالة بأيام قليلة، كتب لامرتين نصا نقديا عن مؤلفه الأول: "هان من ايزلندا" يقول: "أجده – أى المؤلف المذكور – رائعا جدا. لكن عليك أن تلطف ريشتك فالخيال مثل القيثارة لابد أن يداعب الخيال. أنت تضرب بقوة. وأنا أقول لك هذا ليس صالحا بالنسبة إلى المستقبل". وكانت المعركة على أشدها بين الكلاسيكيين والرومنطيقيين حين أصدر فيكتور هوغو فى شهر مارس/ آذار 1824 مجموعة شعرية حملت عنوان: "الأناشيد الجديدة" وفى مقدمتها كتب يقول: "فى الأدب كما هو الحال فى كل شيء ليس هناك غير الجيّد والسيّء، الجميل والقبيح، الحقيقيّ والمزيّف. على الشاعر أن يسير فى مقدمة الشّعوب مثل النّور لكى يضيء لها الطّريق".

فى ربيع 1825، حصل فيكتور هوغو على وسام الشرف من الملك شارل الخامس، فكان ذلك حدثا بالغ الأهمية بالنسبة إلى شاعر شاب فى الثالثة والعشرين من عمره. وفى صيف العام المذكور قام برحلة بصحبة عائلته إلى جبال الآلب. وعند عودته منها، كتب نصا دافع فيه عن ضرورة حماية الطبيعة والآثار التاريخية.

عقب ذلك بعام، أصدر مجموعة شعريّة جديدة حملت عنوان: "أناشيد وموشّحات غنائيّة" وفى الحين أحرزت هذه المجموعة على اعجاب سانت بوف، النّاقد الفرنسى الأشهر فى ذلك الوقت كما نوّه بها الشّاعر الفريد دى فينيى الذى كتب فى شأنها يقول: "لقد التهمت قصائدك أيّها الصّديق العزيز. وأنا الآن أقرأها وأغنّيها وأصرخ بها عاليا حتّى يسمعها جميع النّاس ذلك أنّها أسعدتنى كثيرا".

فى السّنوات التّالية، كتب فيكتور هوغو العديد من المسرحيات التى نالت هى أيضا اعجاب النقاد والجمهور محققة لصاحبها نجاحا أدبيا جعله يحتل مكانة بارزة بين أشهر أدباء عصره من أمثال بالزاك والفريد دى موسيه وبروسبير جيريميه والكسندر دوما الأب وجيراردى نرفال وتيوفيل جوتييه..




عقب انهائه مسرحيته "هارناني"، واجه فيكتور هوغو لأول مرة مقصّ الرقابة حيث طلبت منه وزارة الداخلية حذف بعض المقاطع، وتعديل بعض المواقف والجمل. فما كان منه إلا أن جمع حوله عددا من رموز الحركة الرومنطيقية الصاعدة المدافعة عن التقدم وعن الأفكار التحررية للدفاع عن نفسه. وعند عرضها، شهدت اقبالا جماهيريا كبيرا غير أن الصّحافة المحافظة شنّت عليها هجوما عنيفا الشيء الذى أجبر صاحب البناية على طرده من الشقة التى كان يسكنها.

وكانت الضّجة التى أثارتها مسرحية "هارناني" لا تزال قائمة، حين اندلعت ثورة يوليو/ تموز عام 1830، لتسقط شارل العاشر، وتنصّب لوى فيليب ملكا على فرنسا. منتشيا بهذا الحدث السياسى أنهى فيكتور هوغو فى أشهر قليلة رواية ضخمة سمّاها باسم كاتدرائية "نوتردام" فى باريس. وعند صدورها أحرزت على نجاح جماهيرى كبير. وقد كتب لامرتين يقول بشأنها وبشأن صاحبها: "إن فيكتور هوغو هو شكسبير الرواية. هذه الرواية التى هى فى نظرى ملحمة العصور الوسيطة. لقد كبر مؤلفها كثيرا فى عيني. إنه أعلى من أبراج كاتدرائية نوتردام!"

وكان هوغو يتذوق حلاوة نجاح روايته المذكورة لما اكتشف أن زوجته ادال ترتبط بعلاقة غرام مع صديقه الناقد سانت بوف. وتحت وقع الصدمة التى ألمت به أصدر مجموعة شعرية جديدة: "أوراق الخريف" وفى احدى قصائدها كتب يقول متوجعا: "وا أسفاه! آه يا صديقتي، وا أسفاه! ها العتمة تغمر سماءنا والحياة تصبح مظلمة. وها الشؤم يسيل ببطء على قبة سمائنا المتألقة".

وكان فى قمّة مجده الأدبي، لما احترف هوغو العمل السّياسي. وفى خطبه التى كان يلقيها فى البرلمان، اهتمّ بالعديد من القضايا السّياسية والاجتماعيّة ودافع عن ضرورة عودة عائلة نابيليون بونابرت من المنفى. وقد منعته ثورة فبراير/ شباط 1848 من القاء خطابين هامين حول قوانين السّجون وحول عمل الأطفال. وعند قيام النّظام الجمهورى فى 25 من الشهر والعام المذكورين، أبدى فيكتور هوغو مساندته للنّظام الجديد، متخلّيا بذلك عن مناصرته للنظام الملكي، ودعم لامرتين الذى رشح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية.

وفى عام 1849، أصبح عضوا فى المجلس التشريعي، وبدأ يقترب من التيارات الليبيرالية اليسارية ليصبح من أشد المدافعين عن النظام الجمهوري، وعن العدالة الاجتماعيّة، وعن المبادئ الديمقراطيّة وعن التقدم الصناعي.

وبالرغم من الهزّات العنيفة التى كانت تتعرض لها فرنسا، وكل البلدان الأوروبية فإن فيكتور هوغو ظل حتّى النهاية يدافع باستماتة وقوة عن التقدم فى مفهومه الشامل والكامل. فبالنسبة إليه، الانسانيّة ستظلّ تتقدم إلى الأمام دائما، رغم النّكسات التى يمكن أن توحى لها بأن التاريخ يسير إلى الوراء: "التّراجع على مستوى السطح لا يعنى انه ليس بامكاننا أن نتقدم إلى الأمام تحت الأرض. الحركة السطحية ليست غالب الأحيان غير تيار مضاد".

إن معركته هى معركة من أجل مستقبل أفضل للحضارة المتجسّدة فى القيم التالية: الحرية، القانون، العدالة: "كل شكل من أشكال الحضارة له حبله السرّي. وقطع هذا الحبل هو من شأن التقدم، والتقدم هذا هو المولّد للحركة الكونيّة والذى يقوم بهذه العملية بمهارة فائقة. لذا يمكننا أن نثق فيه".

ويتمثل التقدم فى نظر فيكتور هوغو فى الضروريات التالية: السّيطرة على المادّة والدّفاع عن الأنوار فى مواجهة التّزمت والانغلاق والظّلامية واقرار العدالة الاجتماعيّة..
وفى خطاب ملتهب القاه يوم 17 يوليو/ تموز 1851، أظهر فيكتور هوغو معارضته لرئيس الجمهورية وطالب بتحرير الدستور. إثر ذلك تدهورت الأوضاع السياسية فى فرنسا تدهورا كبيرا، وشرعت القوى المحافظة تعدّ العدّة لسحق المعارضين لها.

وقد واجه فيكتور هوغو هذه الأزمة السّياسية الجديدة بشجاعة كبيرة، محرّضا القوى التقدمية واليسارية على المقاومة والصمود. غير أن الأوضاع كانت تزداد تدهورا وسوءا يوما بعد آخر الشيء الذى أجبره على مغادرة بلاده سرا وذلك يوم 11 ديسمبر/ كانون الأول 1851، ليصل فى اليوم التالى إلى بروكسيل ومعه صناديق تتضمن مخطوطاته. ومن هناك كتب إلى زوجته "أدال" يقول: "أنا الممثل والشاهد والقاضي. أنا المؤرخ بالمفهوم الكامل للكلمة". وفى واحدة من قصائده، عبر عن مشاعره فى المنفى الاجبارى قائلا:

أنا الطائر مثل ذلك الكائن
الذى كان عاموس يحلم به،
وكان القديس مرقص يراه وقد برز من وسادته،
والذى يمزج فوق رأسه المتعالي
فى الأشعة،
جناح النّسر ولبدة السيود الكبيرة
لديّ جناحان. وأنا أطمح إلى الأعالى
وطيرانى مؤكد
ليديّ جناحان للعاصفة وللسماء
وقد صعدت المدارج التى بلا عدد
أريد أن أعرف
متى يصبح الحلم حالكا مثل السماء!
أنتم تعرفون جيدا أن الروح تواجه
هذه الدرجة السوداء
وأنه، مهما كان علوها فإنى سأصعدها!
وأنى سوف أمضى حتى أبلغ الأعمدة الزرقاء،
وأن خطوتى وهى ترتقى السلم الصاعد إلى الكواكب
لن ترتعش أبدا.
وفى مقطع آخر من نفس القصيدة، يقول فيكتور هوغو
أنا الشاعر المتوحش
أنا الرجل الواجب
أنا نفس الآلام، وفم البوق الاسود
أنا الحالم الذى يضع على دفاتره الأحياء
والذى يمزج المقاطع الشعرية الحزينة
بالرياح الأربع.

فى المنفى تابع فيكتور هوغو عمله ونضاله ضد نظام نابليون الثالث الذى أطاح بالنظام الجمهورى ناعتا إياه بـ"نابليون الصغير" وبـ"القناع" وبـ"القزم" متهما إياه بتخريب فرنسا، و"بقتل مبادئ الحريّة والتّقدم والعدالة الاجتماعيّة فى المهد". ولم يكتف هوغو بذلك، بل خصّص ديوانا كاملا لذم نابليون الثالث وهجائه قائلا فى احدى قصائده: "آه.. سوف تُحْول ذات يوم أيها البائس/ أنت مازلت تلهث بجريمتك البشعة/ فى انتصارك الدنيء، السريع والمحزن، مسكت بك/ ووضعت اللافتة على جبهتك". وقد ضمّن الديوان قصائد أخرى تمجّد سنوات الثورة، وتشيد بعظمة نابليون بونابرت. وفى الديوان الثانى الذى حمل عنوان: "أسطورة القرون" هو يصف وضعه فى المنفى محرضا فرنسا على الثورة ضد نظام نابليون الثالث البغيض. وبين وقت وآخر، كان فيكتور هوغو، يتذكر حياته فى باريس، فيكتب متوجعا:

قديما، عندما يعود سبتمبر دامعا،
كنت أمضي، وأغادر كل من يعرفني،
كنت أهرب، وكانت باريس تختفي. لاشيء. لا أحد!
كنت أمضي، ولم أكن غير ظل يرتجف،
كنت أمر هاربا، وحيدا، دون أن أنظر، ودون أن
أفكر، ودون أن أتكلم، عارفا أننى ذاهب إلى حيث عليّ أن أذهب
وا أسفاه، لم يكن باستطاعتى حتى أن أقول: أنا أتألم!
وكما لو أننى ضحية جذب من هوة ما،
وحتى وإن كان الطريق جميلا، ممطرا، باردا، سيئا،
فإنى كنت أجهل ذلك، وكنت أمشى أمام نفسي، وأصل.
آه.. أيتها الذكريات! آه.. أيها الشكل المرعب للهضاب!

فى المنفى، أنهى فيكتور هوغو أعمالا أدبية أخرى مثل رواية "البؤساء"التى خلّدت ذكره إلى الأبد. وعقب مرور عشرين عاما على مؤتمر السلام الذى ترأسه فى باريس، انتظم مؤتمر ثان بنفس الاسم فى مدينة لوزان السويسرية وذلك بين 14 و18 سبتمبر/ ايلول 1869. وفى هذا المؤتمر، دعا فيكتور هوغو من جديد إلى ضرورة قيام اتحاد بين الدول الأوروبية، وهو شيء سوف يتحقق فى النصف الثانى من القرن العشرين. كما دافع عن آرائه بخصوص المسائل الاجتماعية والسياسية والتربوية. وعقب سقوط نظام نابليون الثالث اثر الحرب التى شنتها المانيا ضد فرنسا فى صيف 1870، عاد فيكتور هوغو إلى باريس واضعا بذلك حدا لسنوات المنفى الذى استمر 19 عاما. وعند وفاته فى 22 مايو/ أيار 1885 عقب حياة حافلة بالابداع، والأحداث الكبيرة، والمواقف الشجاعة، شيعته إلى "البانتيون" حيث يدفن عظماء فرنسا، جماهير غفيرة تجاوز عددها المليون نسمة. وقد علق ارنست رينان قائلا: "لقد خلق هوغو بقرار خاص لكى يكون أبديا!" وكتب اندريه شينييه يقول: "أنت "يقصد هوغو" نسر ما هوغير متوقع، وطائر كل السماوات، ونشيد الليل".
وربما كان هوغو على حق عندما كتب يقول: "كنت عاصفة فى محبرة!".

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى