الحكيم الغنى الكريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكيم الغنى الكريم

مُساهمة  عادل التونى في السبت مايو 24, 2008 5:07 pm

الله جل جلاله الحكيم


الحكيم في اللغة صيغة مبالغة على وزن فعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ ، فعله حكم يحكم حكما وحكومة ، والحكيم يأتي على عدة معان منها الإحاطة والمنع ، فحكم الشيء يعني منعه وسيطر عليه وأحاط به ، ومنها حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضى الله عنه
فنحكم بالقوافي من هجانا : ونضربُ حين تختلط الدماء
أي نمنع بالقوافي من هجانا وقول الآخر
أبني حنيفة حكموا سفهاءكم : إني أخاف عليكمو أن أغضبا
أي امنعوا سفهاءكم ، ويأتي الحكيم على معنى المدقق في الأمور المتقن لها فالحكيم هو الذي يُحْكِمُ الأَشياء ويُحْسِنُ دقائق الصِّناعات ويُتقنها ، ويقال للرجل إِذا كان حكيماً قد أَحْكَمَتْه التجاربُ .
والحكيم أيضا هو الذي يُحْكِم الأمر ويقضي فيه ويفصل دقائقه ويبين أسبابه ونتائجه ، فالحَكِيمُ يجوز أَن يكون بمعنى حاكِمِ مثل قَدِير بمعنى قادر وعَلِيمٍ بمعنى عالِمٍ واسْتَحْكَمَ الرجلُ إِذا تناهى عما يضره في دينه أَو دُنْياه .
والحكمة في الشرع عرفها ابن جرير الطبري بقوله : ( والصواب من القول عندنا في الحكمة أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه و سلم والمعرفة بها وما دل عليه ذلك من نظائره ، وهو عندي مأخوذ من الحكم الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل بمنزلة الجلسة والقعدة من الجلوس والقعود ، يقال منه إن فلانا لحكيم بين الحكمة يعني به أنه لبين الإصابة في القول والفعل ).
الحكيم سبحانه هو المتصف بحكمة حقيقية عائدة إليه وقائمة به كسائر صفاته والتي من أجلها خلق فسوى ، وقدر فهدى ، وأسعد وأشقى ، وأضل وهدى ، ومنع وأعطى ، فهو المحكم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته ، وهو الحكيم في كل ما فعله وخلقه حكمة تامة اقتضت صدور هذا الخلق ونتج عنها ارتباط المعلول بعلته والسبب بنتيجته وتيسير كل مخلوق لغايته ، وإذا كان الله عز وجل يفعل ما يشاء ولا يرد له قضاء ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، إلا أنه الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها ويعلم خواصها ومنافعها ويرتب أسبابها ونتائجها .
قال ابن القيم : ( الحكيم من أسمائه الحسنى والحكمة من صفاته العلى ، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة ، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة ، والحكمة هي سنة الرسول وهي تتضمن العلم بالحق والعلم به والخبر عنه والأمر به فكل هذا يسمى حكمة ، وفي الأثر الحكمة ضالة المؤمن ، وفي الحديث إن من الشعر حكمة ، فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده ، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره ، فمصدر ذلك كله عن الحكمة ).
الله جل جلاله الغني


الغني في اللغة صفة مشبهة لمن اتصف بالغنى فعله غَنِي غِنىً واسْتَغْنَى واغْتَنَى فهو غَنِيٌّ ، والغنى في حقنا قلة الاحتياج وهو مقيد نسبي ، ويتحقق غالبا بالأسباب التي استُؤمِن عليها الإنسان واستخلفه الله فيها كالأموال والأقوات التي يدفع بها عن نفسه الحاجات ومختلف الضروريات (8) ، قال تعالى : } إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ { [التوبة:93] ، وقال : } وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ { [النساء:6].
والغِنى إن تعلق بالمشيئة فهو وصف فعل كقوله تعالى : } وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ { [التوبة:28] ، وقوله : } وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى { [النجم:48] ، وإن لم يتعلق بالمشيئة فهو وصف ذات كقوله تعالى : } وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ { [آل عمران:97] ، وكقوله : } يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ { [فاطر:15].
والغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه ، والخلق جميعا فقراء إلى إنعامه وإحسانه ، فلا يَفتقر إِلى أَحدٍ في شيءٍ ، وكلُّ مخلوق مفتقر إِليه ، وهذا هو الغنى المُطْلَق ، ولا يُشارِك اللَّهَ تعالى فيه غيرُه ، والغني أيضا هو الذي يُغني من يشاءُ من عِباده على قدر حكمته وابتلائه ، وأي غني سوى الله فغناه نسبي مقيد ، أما غنى الحق سبحانه فهو كامل مطلق ، ومهما بلغ المخلوق في غناه فهو فقير إلى الله لأن الله هو المنفرد بالخلق والتقدير والملك والتدبير فهو المالك لكل شيء المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين ، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله ، وقسم لكل مخلوق ما يخصه في حياته ورزقه ، عطاؤه لا يمتنع ومدده لا ينقطع وخزائنه ملأى لا تنفد ، روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قَالَ : ( يَدُ اللَّهِ مَلأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا في يَدِهِ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ) (9)، وعند مسلم من حديث أَبِي ذَرٍّ الغفاري رضى الله عنه أن النَّبِي صلى الله عليه و سلم قال فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَال : ( يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُل إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِل الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالُكُمْ ، أُحْصِيهَا لكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ) .
فالغني على سبيل الإطلاق والقيام بالنفس هو الله وليس ذلك لأحد سواه ، فهو الغني بذاته عن العالمين ، المستغني عن الخلائق أجمعين ، واتصاف غير الله بالغنى لا يمنع كون الحق متوحدا في غناه ، لأن الغنى في حق غيره مقيد وفي حق الله مطلق ، وهذا واضح معلوم وذلك مضطرد في جميع أوصافه باللزوم .

الله جل جلاله الكريم


الكريم صفة مشبهة للموصوف بالكرم ، والكَرَم نقيض اللُّؤْم يكون في الرجل بنفسه وإِن لم يكن له آباء ، ويستعمل في الخيل والإِبل والشجر وغيرها ، كَرُمَ الرجل كَرَماً وكَرَامة فهو كَرِيم وكَرِيمةٌ وجمع الكَرِيم كُرَماء ، والكريم هو الشيء الحسن النفيس الواسع السخي ، والفرق بين الكريم والسخي أن الكريم هو كثير الإحسان بدون طلب والسخي هو المعطى عند السؤال ، والكرم السعة والعظمة والشرف والعزة والسخاء عند العطاء (12) ، وعند الترمذي وصححه الألباني من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قال : ( الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ ).
والله سبحانه هو الكريم الواسع في ذاته وصفاته وأفعاله ، من سعته وسع كرسيه السماوات والأرض كما قال : } وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ { [البقرة:255] ، ووصف عرشه بالكرم فقال : } فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ { [المؤمنون:116] ، وهو الكريم له العزة والعظمة والمجد والرفعة والعلو فلا سميَّ له كما قال : } رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً { [مريم:65] ، وهو الذي كرم الإنسان لما حمل الأمانة وشرفه واستخلفه في أرضه وأستأمنه في ملكه وفضله على كثير من خلقه كما قال : } وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً { [الإسراء:70] ، وهو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع والمغفرة الواسعة والرزق الواسع قال تعالى : } أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ { [الأنفال:4] ، وقال سبحانه : } إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ { [يس:11] ، وهو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه ولا ينقطع سحاؤه ، الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء وكيف يشاء بسؤال وغير سؤال ، وهو يعفو عن الذنوب ويستر العيوب ويجازي المؤمنين بفضله فيمنحهم الثواب الجزيل في مقابل العمل القليل .

عادل التونى
المدير
المدير

ذكر
عدد الرسائل : 1983
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

http://sanabel.ace.st

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى